في عمق الصحراء الشرقية الخاضعة حاليا لسيطرة النظام الجزائري، تعيش آلاف الأسر في وضعية احتجاز جماعي داخل مخيمات تندوف، في بيئة مغلقة وخارجة عن نطاق القانون الدولي، لا تخضع لأي رقابة حقوقية مستقلة. هذا الواقع الذي وصفته تقارير أممية وحقوقية متعددة بـ”السجن المفتوح”، لم يعد مجرد أزمة إنسانية معزولة أو نزاعًا سياسياً تقليديًا، بل تحول إلى بنية ممنهجة ومنظمة لانتهاك حقوق الإنسان، وإنتاج مستدام للألم تُستغل سياسياً في نزاع إقليمي ترعاه الجزائر منذ عقود.
الأمر الأخطر هو أن الإرهاب الذي يُمارس اليوم على أطفال المخيمات لا يقتصر على معاناتهم اللحظية، بل يحمل في طياته بذور عنف مستقبلي يُحتمل تصديره إلى مناطق أخرى من العالم. الإرهاب الذي تعلمه أطفال الأمس في مخيمات تندوف هو ذاته الذي ظهر وتكرر في ساحات نزاع مثل سوريا، حيث تم تفكيك شبكات مرتبطة بأطراف تابعة لجبهة البوليساريو. وما يجري اليوم من تعبئة عقائدية واستغلال ممنهج للأطفال في المخيمات، يهدد بإعادة إنتاج هذا النموذج الخطير تحت رعاية غير مباشرة من النظام الجزائري، الذي يستمر في توظيف المخيمات كفضاء جيوسياسي لتخزين التوتر وتصدير الفوضى إلى ما هو أبعد من الحدود.
وبالتزامن مع ذلك، تحولت ورقة الغاز الطبيعي إلى أداة ابتزاز استراتيجية في يد النظام الجزائري، تُستغل لشراء الصمت الدولي والتستر على الانتهاكات الجسيمة المرتكبة في مخيمات تندوف. فالنظام العسكري الجزائري يعمد إلى استغلال إمدادات الغاز كورقة ضغط جيوسياسية، من خلال تقليصها أو تعليقها بشكل مفاجئ تجاه الدول التي تتبنى مواقف داعمة للوحدة الترابية للمغرب أو تسعى إلى تعزيز اندماجه الاقتصادي في محيطه الإفريقي. وتجسّد تصريحات الرئيس الجزائري الأخيرة من إستونيا، التي وصف فيها الغاز الجزائري بأنه «عنصر استقرار» في علاقات بلاده مع أوروبا، هذا النهج الذي يُقحم الموارد الطبيعية في حسابات سياسية ضيقة، ويكرّس منطق الابتزاز بدل التعاون، بما يهدد استقرار المنطقة ويمنح النظام غطاءً دوليًا لمواصلة سياساته العدائية وتوسيع نفوذه على حساب الأمن الجماعي.
وفي ظل تصاعد الدعوات الدولية المطالبة بإعادة تصنيف “جبهة البوليساريو” كمنظمة إرهابية، تبرز معطيات كثيرة تدعم هذا الاتجاه. فالجبهة لا تكتفي بفرض سيطرتها الأمنية بالقوة داخل المخيمات، بل تتهم أيضاً بالضلوع في شبكات تهريب البشر، تسهيل مرور الجماعات المسلحة، واستغلال المساعدات الإنسانية وتحويلها إلى تمويلات مشبوهة. وقد وثق المكتب الأوروبي لمكافحة الغش (OLAF) في تقرير شهير الفساد الذي ينخر منظومة التسيير داخل تندوف، ما يفتح ملفاً خطيراً حول طبيعة النظام الإداري والمالي للمخيمات.
فهل يمكن أن يساهم تصنيف “البوليساريو” كمنظمة إرهابية في اقتلاع جذور الإرهاب من شمال إفريقيا؟ هذا السؤال يمثل مفتاحاً أساسياً لفهم أبعاد الأزمة في تندوف، ويستلزم رؤية شاملة ومتعددة الزوايا لتداعيات مثل هذا التصنيف.
أولاً، هذا التصنيف لا يقتصر على كونه موقفًا قانونيًا أو سياسيًا، بل هو اعتراف دولي صريح بأن جبهة البوليساريو تحولت إلى كيان مسلح بيد النظام العسكري الجزائري، يمارس العنف الممنهج، ويتورط في شبكات التجنيد القسري للأطفال، وعمليات التهريب، والارتباط بجماعات إرهابية عابرة للحدود. من هذا المنطلق، يشكل التصنيف حداً للإفلات من العقاب الذي استفادت منه هذه المجموعة لعقود، ويعزز آليات تجفيف منابع الدعم المالي واللوجستي، سواء من دول أو جهات غير حكومية.
ثانياً، نجاح هذا التصنيف سيحدث تحولًا استراتيجياً في ديناميكيات المنطقة، حيث ترتبط مكافحة الإرهاب بشكل وثيق بتفكيك البنى السياسية والتنظيمية التي تستغل الظرف الإقليمي للضغط والابتزاز السياسي. وهذا يعكس الدور الأساسي الذي يلعبه النظام العسكري الجزائري في دعم هذه البنية الانفصالية، والتي تستخدم كأداة لتوسيع نفوذ الجزائر الإقليمي، ما يجعل مكافحة الإرهاب قضية سياسية وجيوستراتيجية تتجاوز التعامل مع الجماعات المسلحة وحدها.
ثالثاً، سيمنح التصنيف الدول المتضررة، وعلى رأسها المغرب ودول الساحل، مصداقية دولية أكبر لتعزيز جهودها الأمنية والتنموية في الصحراء، وخلق التكامل والاندماج الاقتصادي، وفضح الطبيعة غير السلمية لجبهة البوليساريو. مع تزايد الأدلة على تورط هذه الحركة في تجنيد الأطفال وتحويل المخيمات إلى مناطق تأطير عقائدي متطرف، يشكل التصنيف خطوة ضرورية لحماية الأمن والاستقرار في المنطقة على المدى البعيد.
ان تصنيف “جبهة البوليساريو” كمنظمة إرهابية لا يحمل فقط أبعادًا قانونية وأمنية، بل يمثل خطوة مفصلية في إحياء الضمير الإنساني العالمي، وتحفيزه على مواجهة هذا الواقع المؤلم بكل الوسائل القانونية والحقوقية المتاحة. فهو دعوة لتصحيح مسار امتد لعقود من التساهل والتغافل، بل وحتى المحاباة، تجاه كيان تورط في انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان واستغلال الأوضاع الإنسانية في مخيمات تندوف لتحقيق أجندات شخصية. ومن شأن هذا التصنيف أن يشكل قطيعة مع منطق الازدواجية في المعايير، ويفتح المجال أمام تحرك دولي جاد لإنهاء معاناة آلاف المدنيين المحتجزين في ظروف غير إنسانية، ووضع حد للإفلات من العقاب الذي طال أمده.
اليوم، يمكننا الجزم بأن ما يجري في تندوف هو جريمة مستمرة ضد الإنسانية، والسكوت عنها يعني مشاركة غير مباشرة في إعادة إنتاج الإرهاب. المطلوب اليوم ليس فقط التنديد، بل تحرك دولي حاسم، يضع حدًا لهذا الاستثناء الحقوقي، ويبدأ من تصنيف البوليساريو كما هي: كيان مسلح إرهابي يتغذى من القمع، يتاجر بالبشر، ويُوظف لتأجيج التوتر في خدمة نظام عسكري يرفض المصالحة مع الواقع والتاريخ.
رشيد الكشرادي
أستاذ باحث في تدبير الموارد البشرية والذكاء الاستراتيجي
جامعة القاضي عياض، مراكش
elkachradi@gmail.com







