في خضم تصاعد الجدل حول مشروع “مدارس الريادة”، خرج عبد الناصر التاجي، الخبير في قضايا التعليم، لينتقد ما وصفه بـ”الانحراف المتعمد للنقاش العمومي عن أولويات إصلاح منظومة التربية والتكوين نحو تضخيم تجربة جزئية لم تكتمل بعد”.
وأكد التاجي في مقال تحليلي أن الحكومة نجحت في توجيه النقاش السياسي والمجتمعي من الحديث عن إصلاح شامل للمدرسة العمومية إلى التركيز على مشروع محدود لا يشمل سوى 626 مؤسسة، أي حوالي 5٪ فقط من حجم المنظومة التعليمية. وهو ما اعتبره محاولة “لتلميع صورة الحكومة” عبر تسويق نجاح جزئي كإنجاز وطني شامل.
وأشار التاجي إلى أن تصريحات رئيس الحكومة حول “تحقيق تلاميذ مدارس الريادة لتقدم يعادل سنة أو سنتين دراسيتين” تفتقر إلى الأساس التربوي والمنهجي، بل وصفها بـ”الهرطقة التربوية”، لأن التقييم لم يعتمد مقارنة فعلية بين مستويات دراسية متتالية، بل جرى على نفس المستوى الدراسي.
كما شكك التاجي في المصداقية المنهجية للدراسة التي استندت إليها الحكومة، والتي نسبتها خطأ إلى معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، في حين أنها من إنجاز أربعة باحثين فقط. وأوضح أن “الدراسة اعتمدت على تنميط النتائج دون الكشف عن البيانات الخام أو وحدات القياس”، ما يجعل من المستحيل التحقق من صدقيتها أو إعادة احتساب الأثر التعليمي المزعوم.
وأضاف أن المقارنة التي عقدت بين نتائج الدراسة المحلية ودراسة دولية (Evans & Yuan, 2022) هي “باطلة منهجيًا”، لكونها تخلط بين انحراف معياري موحد وآخر حقيقي، وهو ما يقدّم صورة مضلّلة عن أداء مدارس الريادة مقارنة بالتجارب العالمية.
وعن تقييم المجلس الأعلى للتربية والتكوين، أوضح التاجي أن الحديث عن “مطابقة بنسبة 80٪” لا يجب أن يحجب حقيقة أن “ما بين 26 و55٪ من التلاميذ حافظوا على مستوى تحصيلي ضعيف أو تراجعوا”، وأن التحسن المسجل في المواد الدراسية طال فقط بين 50 و67٪ من التلاميذ، وبفضل برامج الدعم التربوي، وليس نتيجة منهجية التدريس المزعومة.
ولفت إلى أن هذه النتائج تشبه ما أفرزته تجربة “جيل مدرسة النجاح” في عهد أحمد اخشيشن ولطيفة العبيدة، والتي بدأت قوية لكنها لم تُسوّق سياسيًا كما يجري اليوم مع مدارس الريادة.
واختتم التاجي تحليله بالتساؤل: “هل ستحاسب الحكومة على إدارة تجربة محدودة أم على تدبيرها لمنظومة التربية والتكوين بكاملها؟”، مشددًا على أن القانون الإطار 51.17 يفرض إصلاحًا شاملاً وليس احتفاءً بمشاريع تجريبية.
كما دعا إلى توجيه الاهتمام إلى إصلاح حقيقي يستند إلى الرؤية الاستراتيجية والقانون الإطار، عوض استغلال مشروع محدود سياسياً في أفق الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.







