موازاة مع استعداد المغرب لاحتضان نهائيات كأس العالم 2030، كشف استطلاع حديث صادر عن المركز المغربي للمواطنة عن قلق واسع يسود أوساط المغاربة بشأن ما قد تخلفه بعض المظاهر السلبية من أثر على صورة البلاد لدى الزوار الأجانب. المخاوف لا تتعلق بالبنيات التحتية ولا بالقدرات التنظيمية فقط، بل تمتد بعمق إلى السلوك المدني في الفضاء العام، الذي أضحى موضع مساءلة شعبية، ومثار جدل مجتمعي في ضوء التحولات المقبلة.
نتائج الاستطلاع الذي شمل عينة من 1173 مشاركاً، أظهرت إدراكاً جماعيا لما وصفه المركز بـ”الاختلالات البنيوية” في سلوكيات المواطنين، بدءًا من الغش التجاري ومروراً بالتحرش، وليس انتهاءً عند التسول المنظم والمضايقات في الشوارع. أكثر من 84 في المائة من المشاركين اعتبروا أن الغش في تقديم الخدمات، خاصة للسياح، هو السلوك الأكثر تشويها لصورة المغرب، سواء تعلق الأمر برفع الأسعار المبالغ فيه أو تقديم خدمات بجودة رديئة.
وفي خضم هذه السلوكيات، تظهر ممارسات أخرى لا تقل ضرراً؛ كالتسول واستغلال الأطفال فيه، والتي عبر 77 في المائة من المستجوبين عن تخوفهم من أثرها السلبي على راحة الزوار، بينما نبه 73 في المائة إلى ما بات يعرف بـ”فوضى الطاكسيات”، من رفض تشغيل العدادات وفرض أسعار عشوائية، وهي ممارسات تشي بغياب احترام قواعد الخدمة، وتُضعف ثقة الزائر في مناخ الضيافة.
التحرش اللفظي أو الجسدي، خاصة بالسائحات، شكّل هو الآخر مصدر قلق حقيقي، حيث أشار إليه ما يقارب 70 في المائة من المشاركين، بينما رأى 64,9 في المائة أن المضايقات في الأسواق والشوارع تسلب الزائر إحساسه بالأمان. ولا تقل عن هذه الظواهر خطورة القيادة المتهورة وعدم احترام ممرات الراجلين، وهي سلوكيات وصفها 62 في المائة بأنها مقلقة وتشكل تهديداً لصورة المغرب كبلد مستقر وآمن.
لكن السلوك المدني لا ينفصل عن البنية العامة للمجتمع، ففيما لا تتردد السلطات في الترويج للمنشآت الحديثة والبنيات التحتية الجديدة، يؤكد المركز أن النجاح الحقيقي لتنظيم تظاهرة كروية بهذا الحجم يتجاوز الإسمنت والحديد، ليصل إلى ما هو أعمق، قيم الاحترام، الانضباط، التسامح، والنظافة. وهي قيم شدد عليها المشاركون كمفاتيح ضرورية لترسيخ صورة إيجابية عن المغرب، شرط أن تواكبها سياسات عمومية قادرة على التربية، الردع، والتحفيز المجتمعي.
اللافت أن الاستطلاع لم يكتف بتوصيف الاختلالات، بل لامس جانباً إيجابياً نسبياً؛ إذ عبّر بعض المشاركين عن رضا متوسط تجاه سلوكيات احترام كبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة، وهو ما يشير إلى قابلية المجتمع للتحول نحو الأفضل، إن وُجد التأطير المناسب. كما كشف الاستطلاع عن وعي جماعي بأهمية التربية الأسرية والمدرسة، وتفعيل القانون والقدوة، كعوامل حاسمة في تقويم السلوك العام.
غير أن هذه التحولات لن تتحقق بقرارات فوقية فقط، بل تتطلب إرادة مؤسساتية حقيقية، وانخراطا مجتمعيا واسعا في حماية الفضاء العام، كما دعا المركز إلى إطلاق ورش وطني متكامل لتعزيز السلوك المدني، بمقاربة شمولية تستند إلى التربية، الزجر، والمشاركة، وجعل مونديال 2030 ليس فقط مناسبة للفرجة، بل نقطة تحول حضاري في علاقة المغاربة بمجالهم العام وصورتهم أمام العالم.







