في سابقة تثير الكثير من علامات الاستفهام حول استقلالية الهيئات المهنية في المغرب، كشفت مراسلة داخلية وجّهها رئيس المجلس الوطني للهيئة الوطنية للطبيبات والأطباء، المنتهية ولايته، أن رئاسة الحكومة أصدرت تعليمات مباشرة تدعو إلى تأجيل انتخاب أجهزة الهيئة إلى حين تعديل القانون المنظم لها، في إشارة إلى القانون 08.12.
وتشير المراسلة التي توصل بها أعضاء المجلس الوطني للهيئة، والتي يتوفر “نيشان” على نسخة منها، إلى أن رئيس الهيئة، “محمادين بويكاري”، أبلغهم رسميًا بتوصله برسالة من رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، بتاريخ 29 ماي 2025، يدعو فيها إلى تعليق المسلسل الانتخابي الذي كان مقرّرًا أن ينطلق في 14 يونيو الجاري. هذا رغم أن ولاية المجلس انتهت منذ أزيد من سنة ونصف، ورغم أن القانون الجاري به العمل لا يمنح أي جهة، بما في ذلك الحكومة، صلاحية توقيف هذا المسار أو التدخل فيه.
الخطوة اعتبرها فاعلون في القطاع الصحي خرقا واضحا لمبدأ استقلالية الهيئة، المنصوص عليها صراحة في القانون المنظم لها، خاصة وأنها ليست جهازا خاضعا للسلطة التنفيذية، بل هيئة مهنية مستقلة يفترض أن تشتغل في إطار القانون وحده، وليس وفق توجيهات أو “تعليمات” من أي جهة سياسية.
وتعززت هذه المخاوف بعدما عبّرت مصادر مهنية عن تخوفها من أن يكون الهدف الحقيقي من هذا التأجيل هو تفصيل تعديلات قانونية على المقاس، لتهيئة الطريق أمام تيارات بعينها لبسط نفوذها داخل الهيئة، في ظرفية سياسية دقيقة تعرف فيها المنظومة الصحية إصلاحات كبرى ضمن الورش الملكي لتعميم الحماية الاجتماعية، ما يمنح لموقع الهيئة وزنًا مضاعفًا في التأطير والتوجيه والمراقبة المهنية.
المصادر نفسها حذّرت من سيناريو مشابه لما وقع مع المجلس الوطني للصحافة، حين تدخلت الحكومة، بذريعة “الفراغ القانوني”، لوقف عملية انتخاب أجهزته، واستُغلت الأغلبية البرلمانية لتمرير قرار يقضي بتحويل المجلس إلى لجنة مؤقتة خاضعة لوصاية الوزارة الوصية، في ما اعتبره إعلاميون ونقابيون حينها “انقلابًا ناعمًا على استقلالية المجلس”.
اليوم، ومع صدور هذه التعليمات من رئيس الحكومة، يجد الجسم الطبي نفسه في مواجهة وضع قانوني ومؤسساتي ملتبس، يهدد بتحويل الهيئة الوطنية للطبيبات والأطباء إلى مؤسسة مشلولة، تحت وصاية غير قانونية، ويضع مستقبل تمثيلية الأطباء على المحك، وسط صمت رسمي من وزارة الصحة، وعدم صدور أي توضيح بشأن أسباب هذا التدخل المفاجئ، ولا عن مآلاته المحتملة.
وبينما يصرّ أعضاء في الهيئة على ضرورة احترام الآجال القانونية وانتخاب أجهزة جديدة وفق القانون الجاري به العمل، يتخوف كثيرون من أن يتحوّل مسلسل الإصلاح إلى أداة تحكّم سياسي في المؤسسات المهنية، وأن يكون ما يحدث اليوم حلقة أخرى في مسلسل متدرج يرمي إلى إعادة هندسة الهيئات المستقلة على هوى السلطة التنفيذية.







