رغم الأزمة المائية الخانقة التي تخنق رقاب المغاربة، والتي دفعت الحكومة إلى حلول استثنائية كتحلية مياه البحر، وتقييد استخدام المياه في عدد من المدن، ورغم تقارير دولية ومحلية تحذر من أن البلاد تقف على شفا كارثة مائية، فإن المغرب يسجّل رقماً قياسياً جديداً في تصدير فاكهة الأفوكادو المستنزفة للمياه، بعدما بلغت صادرات هذا الموسم حوالي 110 آلاف طن.
الخبر، الذي نقله تقرير لموقع “EastFruit” المتخصص، يكشف مرة أخرى المفارقة الصادمة التي تعيشها السياسات الفلاحية بالمغرب. فمن جهة هناك جفاف متفاقم، ومن جهة أخرى استمرار في تشجيع زراعات تصديرية تستنزف المياه وتخدم الأسواق الأوروبية أكثر مما تخدم السوق الوطنية أو الأمن الغذائي للمغاربة.
إخفاق “المخطط الأخضر” وتبعاته
هذا الرقم القياسي الجديد يعيد إلى الواجهة مجدداً السياسات الزراعية المتبعة منذ سنوات، وعلى رأسها “مخطط المغرب الأخضر”، الذي أطلق سنة 2008، وظل رئيس الحكومة الحالي عزيز أخنوش أحد أبرز المدافعين عنه حين كان وزيراً للفلاحة لأزيد من عقد. هذا المخطط، الذي رُوّج له باعتباره رافعة للنمو الفلاحي وتثمين الموارد الطبيعية، تحوّل بمرور الوقت إلى منظومة تخدم مصالح كبار المستثمرين الفلاحيين، لا الفلاحين الصغار ولا مصالح المواطنين.
أما النتائج الميدانية للمخطط فباتت مكشوفة دون حاجة إلى لجان تقصي حقائق أو مهمات استطلاعية برلمانية. وفي مقدمتها تعميق الفجوة بين الفلاحين، وتوجيه المياه والأراضي لزراعات موجهة للتصدير غير مرتبطة بالأمن الغذائي، وتهميش الزراعات المعيشية. الأخطر من ذلك، هو تغذية هذه السياسات لدوامة استنزاف مائي تهدد مستقبل البلاد، خصوصاً مع توالي سنوات الجفاف وتراجع مخزون السدود.
من يُحاسب على تصدير المياه؟
بالافتراض أن متوسط استهلاك الماء لإنتاج كيلوغرام واحد من الأفوكادو هو 1500 لتر، فإن تصدير 110 آلاف طن يعني استهلاك أكثر من “165 مليون متر مكعب” من المياه — وهو ما يعادل تقريباً نصف الطاقة الإنتاجية السنوية لمحطة تحلية مياه ضخمة مثل محطة الدار البيضاء التي يجري تشييدها من طرف تحالف شركات يقوده هولدينغ رئيس الحكومة “أكوا”.
فهل من المنطق أن تستثمر الدولة ملايير الدراهم في تحلية مياه البحر، في الوقت الذي تسمح فيه لزراعات مستنزفة للماء بمواصلة التوسع؟
هذا السؤال نقله موقع “نيشان” إلى محمد الرهطوط، الخبير الاقتصادي، الذي اعتبر أن “المغرب يعيش مفارقة حادة بين السياسات المعلنة والواقع البيئي”، مضيفاً أن “الاستمرار في دعم زراعات تصديرية تستنزف الموارد هو انتحار مائي مؤجل، وسيحاسبنا عليه التاريخ”.
وأضاف الرهطوط في اتصال هاتفي مع “نيشان“، إن ما يحدث هو “تصدير للعطش”، مضيفاً: “من غير المعقول أن يعيش المواطن في الدار البيضاء أو سوس أو تاونات على وقع تقنين الماء، في حين تذهب ملايين الأمتار المكعبة لري فاكهة لا تُستهلك محلياً”.
من جهته، أشار الناشط البيئي أيوب مرير إلى أن “العائدات الاقتصادية من صادرات الأفوكادو لا تعادل حتى جزءاً يسيراً من كلفة فقدان المياه”، موضحاً أن “الأفوكادو سلعة زراعية تستهلك الماء أكثر مما تنتج من قيمة مضافة، خاصة إذا احتسبنا الكلفة البيئية”.
ووفق معطيات “وزارة التجهيز والماء”، يعيش أكثر من 60% من سكان المغرب تحت خط الإجهاد المائي، بينما تراجعت نسبة ملء السدود إلى أقل من 30% في العديد من الجهات. ورغم كل ذلك، لا توجد مؤشرات على أن الحكومة بصدد تعديل سياستها الفلاحية بما يتناسب مع المعطيات المناخية والبيئية الجديدة.
الحكومة تغضّ الطرف.. والمحاسبة غائبة
رغم كل الأصوات المنتقدة، لا تزال “مختلف الجهات والمؤسسات المتداخلة” تمضي في نفس المسار. لم تُفتح أي مساءلة برلمانية جدية حول نتائج “المخطط الأخضر”، ولا تمت مساءلة عزيز أخنوش، المسؤول المباشر عن السياسات الفلاحية خلال أكثر من 12 سنة.
في المقابل، يواصل الإعلام الموجّه وبعض التقارير الرسمية وشبه الرسمية تقديم هذه الصادرات كنجاح اقتصادي، في تجاهل تام للبعد البيئي والاجتماعي. كما أن “الجيل الأخضر”، المخطط الجديد الذي خلف “المخطط الأخضر”، لم يأتِ بجديد، بل عزّز نفس التوجه التصديري دون إجراءات حمائية للموارد الطبيعية.
نحو سياسة فلاحية مائية عادلة
يجمع الخبراء والناشطون البيئيون اليوم أن الرهان لم يعد اقتصادياً فحسب، بل هو “رهان وجودي”. فالماء لم يعد مورداً متجدداً كما في السابق، بل أصبح مورداً استراتيجياً نادراً. والسياسات الزراعية التي لا تأخذ هذا التحول بعين الاعتبار، تدفع بالمغرب نحو المجهول.
وتؤكد المصادر ذاتها أن على الحكومة أن تعلن بشكل واضح عن مراجعة عميقة لسياساتها الزراعية، بما في ذلك: وقف توسيع الزراعات المستنزفة للماء في المناطق المهددة بالجفاف؛ دعم الزراعات المعيشية المحلية ذات الكلفة المائية المنخفضة؛ مراجعة اتفاقيات التصدير الزراعي التي تهدد السيادة المائية؛ بالإضافة إلى إطلاق نقاش وطني شفاف حول مستقبل الأمن المائي والغذائي في ظل التغير المناخي.
وبينما تنهمك الحكومة في إنجاز تقارير وتوقيع صفقات لتحلية مياه البحر، يستمر نزيف الماء في الحقول المخصصة لفاكهة لا تُستهلك محلياً، وتُروى بمياه تشحّ عن المدارس والمستشفيات والقرى.







