في كل عملية انتخابية يشهدها المغرب، تبرز ماكينة الفساد والإفساد لتفرض حضورها وسط المنخرطين في التنافس، محققة آلاف الأصوات التي تمهد الطريق لمرشحين لجأوا إلى المال القذر كوسيلة سهلة للوصول إلى مناصب المسؤولية في المجالس المنتخبة أو الحصول على صفة برلماني.
ورغم أن الدولة، من خلال وزارة الداخلية، تحاول في كل مرة منح صك البراءة للاستحقاقات الانتخابية بالحديث عن “حالات معزولة” لمسح الصورة القاتمة التي رافقت تاريخ العمليات الانتخابية، الأمر الذي جعل مؤشر النزاهة العالمي يضع المغرب في مراتب متأخرة فيما يتعلق بشفافية الانتخابات والتمويل السياسي، إلا أن التخوفات والاتهامات بحدوث فساد انتخابي، وإنزال الأموال وشراء الذمم، تبقى واقعاً وفزاعة حقيقية للديمقراطية، وضربة قوية للتنافس الشريف، خاصة بعد فشل جميع التدابير المعلنة في كبح مثل هذه الممارسات التي تحولت إلى عرف انتخابي سواءً بقاسم انتخابي أو بدونه.
في ذات السياق، تزامنت التعيينات الجديدة التي طالت هرم الجهاز القضائي مع دعوات صدرت عن عدد من الفعاليات بضرورة وضع حد للفساد الانتخابي، وتحريك المتابعات، وإغلاق الباب في وجه أصحاب السوابق، وذوي السجلات السوداء الذين صدرت في حقهم عقوبات سابقة أو تقارير سلبية ما تزال مجمدة، أو ممن كانوا ضيوفاً على غرف التحقيق في ملفات لها ارتباط بجرائم الأموال، واستغلال النفوذ، وتضارب المصالح.
وتحولت هذه الدعوات في بعض الحالات إلى انتقادات صريحة للنيابة العامة والقضاء، مما جعل بعض المتتبعين يرون أن الانتخابات المقبلة ستكون محطة أساسية لترجمة الوعود والتعهدات بإحداث تغيير حقيقي فيما يخص تحصين عملية الاقتراع من استعمال المال القذر وغيرها من الممارسات التي صارت عرفاً قاراً، رغم أن هذا الأمر يواجه صعوبات وثغرات قانونية، وإكراهات أخرى مرتبطة بطبيعة التزكيات وبنية الأحزاب نفسها.
ولعل بعض الممارسات التي رافقت الانتخابات الجماعية والجهوية الماضية، والأحداث التي طبعت انتخاب رؤساء المجالس والغرف، هي ما جعل عددًا من الهيئات السياسية تستبق النقاش حول الانتخابات لتعبر بشكل صريح عن تخوفها من عودة لوبي الفساد الانتخابي بقوة، بعد أن تم تحجيمه نسبياً في الانتخابات التشريعية التي جرت سنة 2011، بالنظر إلى خصوصية المرحلة التي كانت تسعى الدولة خلالها إلى طي صفحة الحراك الشعبي وخلق أرضية مناسبة لتفعيل مضامين الدستور الجديد، وبالتالي بقي “الخواض” الانتخابي محصوراً في نطاق ضيق.
وترجم هذا التخوف من خلال الدعوة إلى ميثاق أخلاقي جديد، رغم أن تجربة مماثلة بقيت دون مفعول، خاصة مع إقرار مسؤولين حكوميين بشكل صريح بأن تعقب المال المستخدم في شراء أصوات الناخبين “أمر صعب”، وأن الأمر مرهون بتلقي شكاية تتعلق بشراء الأصوات قبل تفعيل الإجراءات، ما يعني أن دور القضاء سيبقى محدوداً للغاية في مواجهة أهم وسيلة لشراء الأصوات وإفساد الانتخابات.
من جهة أخرى، فإن الرهان على صرامة قضائية للتصدي للفساد الانتخابي بعد التعيينات الجديدة يعيد إلى الواجهة التشخيص الذي أعدته الهيئة المركزية للوقاية من الرشوة حول نواقص مكافحة الفساد السياسي في المغرب، والذي نبه إلى أن المغرب لا يزال أمامه الكثير للوصول إلى محطات انتخابية أكثر شفافية ومصداقية، رغم بعض التحسن.
وقد خلص التشخيص إلى نقطة في غاية الأهمية، مؤكداً وجود مسؤولية مشتركة بنسب متفاوتة بين الأحزاب والمترشحين باسمها، والسلطة وممثليها، والمواطنين باعتبارهم ناخبين ووسطاء أحياناً، كما أشار إلى وجود تفاوت بين مدونة الانتخابات والقوانين التنظيمية والمدونة الجنائية فيما يخص مدة العقوبات ومبالغ الغرامات، وهو تفاوت كشفت الهيئة أنه غير مبرر، نظراً لعدم وجود فرق في أفعال الرشوة وتسخير الممتلكات سواء في المجال السياسي أو غيره، وكذلك اعتبار الرشوة في المدونة الانتخابية جنحة بسيطة لا تستوجب سوى عقوبة حبسية تتراوح بين 6 أشهر وسنة، وغرامة بين 5 آلاف و20 ألف درهم.
كما أشار التشخيص إلى أن تسخير الممتلكات العمومية في الحملة الانتخابية يعامل قانونياً على أنه مجرد مخالفة لا تستوجب سوى عقوبة حبسية من 6 أيام إلى شهر وغرامة من 1000 إلى 5000 درهم، على خلاف أفعال الاختلاس أو استغلال النفوذ التي تجرمها القوانين الجنائية.
ونبه التشخيص إلى عطب أساسي يحد من فعالية أي إجراء يستهدف محاربة الفساد الانتخابي والسياسي، وهو عدم سريان مقتضيات مشروع القانون المتعلق بحماية الضحايا والشهود والخبراء على المبلغين عن جرائم الفساد الانتخابي، مما يشكل تساهلاً غير مبرر مع مظاهر الفساد السياسي والانتخابي وعقبة أساسية أمام آليات مواجهته.
من جهة أخرى، فإن الفساد الانتخابي لا يمر عبر صناديق الاقتراع فقط، بل ينطلق مبكراً من حروب التزكيات التي تشهدها بعض الأحزاب من طرف مناضلين طارئين يرغبون في الحصول على رخصة برلماني لأغراض خاصة، وهو أمر كان محصوراً على بعض الهيئات السياسية قبل أن تنتقل عدواه إلى أحزاب كانت تحظى بالاحترام، بعدما أسقطت بدورها “الفيتو” الذي كانت ترفعه في وجه أصحاب المال قبل عقدين من الزمن.







