إلى الآن، لا يعلم المغاربة ما هي تفاصيل البحث الأمني الذي أمر به الملك في فاجعة قطار طنجة التي أودت بحياة 7 أشخاص…
كما لا تزال علامات استفهام كثيرة تلاحق الأسباب الحقيقية لفاجعة قطار بوقنادل، بعد أن ركب ربيع الخليع، مدير المكتب الوطني للسكك الحديدية، على نفس السيناريو الذي استعمله لغسل يديه من المسؤولية عن حادث قطار زناتة، وقبله حادث قطار الفوسفاط وواقعة انحراف القطار السريع عن مساره.
“شلل” البراق
رحلة “البراق” التي استمرت سبع ساعات من الرباط إلى طنجة قبل أسبوعين وما أعقبه من توقفات وتأخيرات امتدت لساعات، يأتي أيضًا في سياق مسلسل طويل من سوء الخدمة، الذي جعل الخليع يحظى بإجماع وطني لم يشفع في تحريكه من مكانه، ضدا في شعب بأكمله، خاصة بعد أن تم وضع ملف فاجعة طنجة في الثلاجة، ما جعل الرجل يتمادى ويُراكم فواجع وضحايا جدد تسيل دماؤهم على السكك، مستفيدًا من حصانة غير معلنة.
البلاغ اليتيم الذي أصدره المكتب بعد انهيار حركة قطار كلف البلد ميزانية فلكية، يشبه تمامًا البلاغ الذي خرج به “السي لخليع” في وقت سابق، والذي تكلف فيه بالتعليق على صورة تظهر قطار “البراق” وقد زاغ بعيدًا عن سكته، ليقول بكل ثقة إن الأمر يتعلق بـ”انحراف طفيف” وقع خلال جره بآلية ديزل بسرعة تقل عن 10 كيلومترات.
مثل هذه البلاغات المستفزة، التي تتحدى الوقائع، والصور، والمنطق، والإجماع الوطني على سوء الخدمة والتدبير داخل هذا المكتب، تؤكد أننا لا زلنا بعيدين عن الزلزال الحقيقي المنتظر، والذي من شأنه أن يعجل برحيل أمثال الخليع من منصب عمر فيه دهرًا طويلًا، مسلحًا بحصيلة كارثية يدفع ثمنها عشرات الآلاف من مستعملي القطارات.
اعفاءات الحسيمة
بعد تقرير الحسيمة “طار” للأسف مدير مؤسسة عمومية وحيد، ويتعلق الأمر بالفاسي الفهري، الذي جرّ المكتب الوطني للماء والكهرباء إلى عجز خطير جعل الحكومة تمد يدها عنوة إلى جيوب المغاربة، في إطار ما سمي بخطة إنقاذ كلفت أزيد من 45 مليار درهم. لكن الفهري يبقى مجرد ضرس في فم مملوء بـ”الأضراس القديمة” التي ترفض أن تُقتلع من مكانها، رغم أن السوس ينخرها من كل جانب.
ما حدث للقطار فائق السرعة، وقد أُصيب بشلل غامض امتد لساعات، يُلخص وبشكل صريح وضع المكتب الوطني للسكك الحديدية، والذي يُعد بدوره عنوانًا صريحًا لعلاقة المؤسسات العمومية بالمغاربة، وبالحكومات المتعاقبة، بعد أن تحولت هذه المؤسسات بميزانياتها وديونها الفلكية إلى جزر معزولة يتحكم فيها أشخاص يبدو أنهم محصنون من أي مساءلة، وفوق ذلك يُكلفون بتدبير صفقات بآلاف الملايير استعدادًا للمونديال…
هذا الوضع الشاذ والمهيمن في مؤسسات تتحكم في قطاعات استراتيجية، دليل آخر على أننا لا زلنا بعيدين عن الإصلاح وعن التغيير، وهو ما جعل وزيرًا سابقًا لا يجد حرجًا في التأكيد خلال اجتماع في مجلس النواب، على أنه لا يملك القدرة على استعمال صلاحياته كوزير وصي في مواجهة مدير عام لإحدى المؤسسات العمومية، قبل أن يضيف بأن السبب في ذلك معروف…
دماء المغاربة
نعم، حوادث القطارات تقع في كل دول العالم، لكن ما لا يقع في هذا البلد السعيد، هو أن يتقدم مسؤول، كيفما كان منصبه، باستقالته طوعًا بعد أي فاجعة أو مصيبة — وما أكثر مصائبنا — أو أن تتم إقالته.
ولعل النموذج الصارخ الذي يكشف أننا دولة تُكرس الإفلات من العقاب، وتتلكأ في ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتمنح حصانة تضمن الخلود في المناصب، هو السي ربيع الخليع.
هذا الرجل يستحق فعلاً أن يُدرَّس كنموذج للمسؤول الذي أرعب بعض الوزراء الجبناء، ممن فضلوا عدم مواجهته بفضائحه الكثيرة.
كما استطاع، وبسهولة، أن يمسح يديه من دماء ضحايا فاجعة طنجة التي خلفت سبعة قتلى، وأن يصمد في وجه تقارير رسمية حمّلته بشكل صريح المسؤولية المباشرة في جر مؤسسة عمومية كالمكتب الوطني للسكك الحديدية نحو الإفلاس، بل وحملته مسؤولية الحوادث القاتلة التي تتورط فيها القطارات نتيجة سوء التسيير، والتقصير الخطير في الصيانة، والشبهات الكثيرة التي تحيط بصفقات قطع الغيار.
فاجعة بوقنادل
لقد تمت التضحية بموظفين بسيطين، مسحت فيهما الأخطاء التي أدت إلى فاجعة طنجة، وهو سيناريو لم نستغرب تكراره في حادث بوقنادل، بعد تلفيق المسؤولية للسائق، ما دام المهم — والأهم — هو استمرار الخليع في منصبه، حتى ولو كلف ذلك إزهاق أرواح المزيد من المغاربة في وسيلة نقل يُفترض أنها الأكثر أمانًا، وذلك سعيًا من جهة ما لإرضاء وحماية مسؤول فاشل أصبح بقاؤه في منصبه مستفزًا لشعب بأكمله.
دم الضحايا الذين ماتوا، والذين بُترت أطرافهم أو لحقتهم إصابات خطيرة، سيبقى عنوانًا على العبث الكبير الذي نُكرسه بعدم تفعيل المحاسبة، والذي يمنحنا مسؤولين خالدين ومحصنين ضد أي مساءلة، إلى أن يثبت العكس برحيل الخليع، الذي تبقى أهم إنجازاته تعذيب المواطنين بشكل يومي بالأعطاب والتأخيرات، وجر المكتب نحو مديونية فلكية، وقتل عدد من المغاربة الأبرياء في حوادث كثيرة، لن يكون حادث بوقنادل آخرها حتمًا إذا ظل هذا الرجل وأمثاله جاثمين على صدورنا.
تقارير سوداء في الثلاجة
وسبق للمكتب الوطني للسكك الحديدية أن كان موضوع عدد من التقارير التي نشرت غسيل الاختلالات التي غرق فيها، والتي دفعت عددًا من البرلمانيين وحماة المال العام للمطالبة برحيل الخليع عن المكتب، بعد أن راكم ولسنوات حصيلة أوصلت هذه المؤسسة إلى وضعية مالية كارثية صارت تفرض تدخل الدولة من جديد.
هذا الوضع انتقده وزير المالية الأسبق محمد بوسعيد بشكل صريح، بعد أن هاجم، وبشكل مباشر، مدراء عدد من المؤسسات العمومية التي تستنزف المال العام، ومن بينها مكتب السكك الحديدية، من خلال إفراطهم في المديونية، وإبرام تعاقدات مرهقة ماليًا بعشرات الملايير، في تجاوز للحكومة ودون الخضوع لمساطر شفافة.
هذه الاختلالات الخطيرة سبق للمجلس الأعلى للحسابات أن وقف عليها في تقريره الصادر سنة 2015، والذي رصد بدوره ضعفًا كبيرًا في خدمات الصيانة، وتقادُمًا في المعدات، ما يؤدي إلى حوادث واضطرابات تُؤخر القطارات عن مواعيدها، كما وقف على أن مكتب الخليع أعطى الأولوية لمشروع “تي جي في” على حساب باقي الخدمات السككية.
اللافت أن التقرير قدم عدة توصيات مهمة، فضلت إدارة المكتب الوطني للسكك الحديدية ركنها في الأرشيف.
كنا نعتقد أن الخليع سيكون أول “المبشرين” بعد الخطاب الملكي الذي دعا إلى تفعيل المحاسبة وتحريك عجلة الإقالات والاستقالات، لكن الرجل لا زال ثابتًا في سكته، ومصرًا على إتمام مهامه في إهانة آلاف المسافرين بشكل يومي وممنهج، بل وسٌلمت له قروض خارحية ثقيلة مضمونة من طرف الدولة وفوقها مئات الملايير باردة لتدبير صفقات دولية استعدادا لكأس العالم…







