تحت عنوان : “المغرب، منجم فوسفاط يُغذي العالم ومائدة فارغة لا تُشبع أهل الدار” نشرت “نيشان” تحقيقا في غاية الأهمية حول المفارقة التي تطرحها الثروة المعدنية الأولى في المغرب، بين مداخيل قياسية واستثمارات عابرة للقارات، مقابل غياب آليات لتحويل أرباحها لخدمة الداخل، وتحقيق الاكتفاء الذاتي من الحبوب مثلا، وذلك أضعف الإيمان. الجزء الأكبر من الأسمدة التي تساهم في الزراعة العالمية يأتي من المغرب، في وقت لا تستطيع المملكة تحقيق أمنها الغذائي!
“المكتب الشريف للفوسفاط” يراكم مليارات الدولارات كل عام ويوقع عقودا “في اديس أبابا وأبوجا وريو دي جانيرو، في حين تظل مناطق مثل فكيك وزاكورة والراشيدية تئن تحت وطأة العطش، ويظل الاكتفاء الذاتي من القمح والشعير هدفا مؤجلا”، كما جاء في المقال، الذي لو صدر في النسخة الورقية من “نيشان” لكان عنوانه بلا شك: “خبز الدار ياكلو البراني”!
المغاربة كلهم يعرفون أن الفوسفاط هو الثروة الوطنية الأولى في البلاد، وبفضله تمتلئ خزينة الدولة بالعملة الصعبة، لكن قليلا منهم يدرك أن “المكتب الشريف للفوسفاط” هو أكبر مجموعة اقتصادية لاستغلال وتسويق الفوسفاط في العالم بأسره، أي أنه يشبه “أرامكو” السعودية بالنسبة للبترول، وهو شركة في ملكية الدولة لكنها لا تخضع للمراقبة التشريعية والحكومية، ويسود تدبيرها كثير من الغموض…
يستحوذ المغرب على 72% من الاحتياطي العالمي للفوسفاط ويحتل مركزا رياديا في السوق الدولية، مع روسيا والولايات المتحدة الأمريكية والصين. مداخيل هذه الثروة المعدنية تقدر بمليارات الدولارات، لكن هناك تعتيم غريب حول عائداتها، لا نسمع عن ذلك إلا عندما تنشب صراعات بين الأقطاب المسيّرة للسياسة والاقتصاد.
وقد فوجئنا مؤخرا بهجوم لاذع من موقع لو 360، المقرب من جهات نافذة في الدولة، على المدير التنفيذي للمكتب الشريف للفوسفاط مصطفى التراب، اعتبر فيه أن الرجل يتصرف “مثل رئيس دولة”، دون حسيب أو رقيب، وكشف أنه لا يرد على مكالمات الوزراء، بمن فيهم فوزي لقجع ونادية فتاح، المقال يتهم التراب يإدارة الشركة العمومية العملاقة وهو يلعب الغولف في مراكش… كثير من المراقبين اعتبروا أن ما جاء في لو 360 يؤشر على محاولة للإطاحة بالتراب من عرش “المكتب الشريف” !
وها نحن نسمع مجددا عن الفوسفاط المغربي من خلال هجوم مباشر من جمعية طبية فرنسية، تتهم “ثروتنا الوطنية” بالتسبب في أمراض خطيرة على رأسها سرطان البانكرياس.
“المؤتمر الوطني للاتحادات الجهوية لمهنيي الصحة والأطباء المستقلين” وجّه في الثاني من الشهر الجاري رسالة مستعجلة إلى الحكومة الفرنسية تحذر من مخاطر معدن “الكادميوم” الموجود في عدد من المواد الغذائية، على رأسها الخبز والبطاطس و”السيريال” الذي يستهلكه الأطفال بكثرة. الأطباء لم يترددوا في الإشارة إلى أن المصدر الرئيسي لهذا المعدن الخطير هو الأسمدة المستعملة في الزراعة، المستخلصة أساسا من الفوسفاط المغربي !
حسب المعايير الأوربية، لا ينبغي أن يتجاوز تركيز معدن “الكادميوم” في الأسمدة نسبة 20% ، والحال أن نسبته في مستخلصات الفوسفاط الوطني تصل إلى 60%.
بصيغة أخرى، الرسالة دعوة مبطنة إلى الاستغناء أوربيا عن الفوسفاط المغربي.
هذه الاتهامات ليست جديدة، إذ سبق وأن تداولتها الأوساط الإعلامية والسياسية في بروكسل، واتُّهِمَت لوبيات معادية لبلادنا بالوقوف وراءها، خصوصا روسيا التي تسعى لبيع ثروتها من الفوسفاط في السوق الأوربية بدلا عن المغرب.
“التحريض” يأتي اليوم من جمعية طبية،
يصعب اتهامها بالخضوع لمجموعات ضغط تعادي المغرب، رغم أن كل شيء ممكن. لكن التقرير يبدو علميا، والمختصون يجمعون أن خطر “الكادميوم”، يساوي أو يفوق خطر الرصاص والزئبق و”الأميانت” على صحة الإنسان. كما أن “المكتب الشريف للفوسفاط” لم يسبق له أن قدم دليلا جديا على مطابقة الأسمدة المستخلصة من الفوسفاط المغربي للمعايير الأوربية… بقي أن نعرف ماذا سيفعل مكتب التراب اليوم لمواجهة هذه الاتهامات الخطيرة؟ هل سيكتفي بالصمت كما صنع مع مقال لو 360 أم سيقدّم أدلة دامغة على أن نسبة تركيز “الكادميوم” في الفوسفاط المغربي لا تتجاوز 20 في المائة؟ أم سيلحأ مرة أخرى لاتهام جهات معادية عبر وسائل إعلام موازية؟ ضرب الفوسفاط المغربي لا يمسّ مكتب التراب فقط لكنه يستهدف الاقتصاد المغربي برمته، لذلك ينبغي أخذ ذلك على محمل الجد.
“المكتب الشريف للفوسفاط” مطالب أيضا بالإجابة على الأسئلة التي ساقها تحقيق “نيشان” حول حق المجتمع المغربي في الاستفادة من ثرواته السيادية، وأين تُصرف أرباح الفوسفاط؟ لماذا لا تخضع لرقابة الحكومة والبرلمان؟ بل لماذا لا تُدرج في الميزانية العامة للدولة؟
هذه الأسئلة الجوهرية، أوحت لي بأسئلة أخرى أكثر سذاجة، اسمحوا لي أن أطرحها كما يفعل تلميذ غرّ في مدرسة بعيدة : هل سبق لأحدكم أن رأى الفوسفاط بأم عينيه؟ هل تعرفون شكله وحالته الفيزيائية؟ هل تعرفون لِمَ يصلح خارج صنع الأسمدة الزراعية؟ هل سبق لكم أن لمستم “فوسفاطة” أو أخذتم صورة معها؟
النفط نعرفه والذهب نعرفه والفضة والنحاس والفولاذ والقزدير ووجوهه… لكن الفوسفاط يبقى مجهولا لدى معظم المغاربة، باستثناء من يشتغلون في مناجم خريبگة واليوسفية وبوكراع، وبعض الجهابذة والخبراء في مجال المعادن. لماذا لا تقدم برامج تلفزيونية عن الفوسفاط؟ ولماذا لا تتضمن كراسات التلاميذ في المدرسة، مثلا، نصوصا حول هذا المعدن النفيس من قبيل :
“كمال كمال، هذا فوسفاط بلادي. فوسفاط بلادي ثمين !” مع صور لفوسفاطة او فوسفاطتين…
بصيغة أبسط، لماذا لا يتم تقريب الفوسفاط من المواطنين؟
كلها أسئلة مشروعة لأنها امتداد للسؤال الملكي الشهير: أين الثروة؟
“خبز الدار ياكلو البراني”







