كشفت دراسة سوسيولوجية حديثة أنجزها الباحث المغربي محمد شرايمي، أن الذكور في مناطق زراعة القنب الهندي شمال المغرب هم الفئة الأكثر إقدامًا على الانتحار مقارنة بالإناث، مشيرة إلى أن الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 20 و40 سنة يشكلون الشريحة الأكثر استهدافًا بهذا السلوك المأساوي.
وأكدت الدراسة، التي حملت عنوان “عبيد الكيف: الانتحار والسلوك الانتحاري بالمغرب”، أن الرجال يفضلون استخدام وسيلة الشنق لإنهاء حياتهم، بينما تميل النساء إلى اللجوء إلى التسميم. هذا الميل المتزايد للانتحار لدى الذكور في هذه المناطق القروية يعكس واقعًا اجتماعيًا شديد التعقيد، يتداخل فيه الاقتصادي مع النفسي، وتُغذّيه عوامل مرتبطة بشكل مباشر بنمط العيش المرتبط بزراعة الكيف.
وبحسب خلاصات الدراسة، فإن الانتحار في هذه المناطق ليس مجرد فعل فردي منعزل، بل هو نتيجة تراكم أزمات اجتماعية واقتصادية متشابكة. المزارعون هنا يعيشون تحت وطأة الملاحقات القانونية المرتبطة بزراعة القنب الهندي، والصراعات المحتدمة حول الموارد الطبيعية، خاصة الأرض والماء، إضافة إلى التقلبات الاقتصادية الناتجة عن تذبذب أسعار “الكيف”، ما يؤدي في كثير من الحالات إلى تراكم الديون والانحدار نحو عزلة اجتماعية قاتلة.
وما يزيد الوضع تعقيدًا، وفق الدراسة، هو السياق الثقافي والديني للمنطقة. فالارتباط التاريخي لزراعة القنب الهندي بأسماء شخصيات دينية مرجعية، جعل كثيرًا من السكان يبررون هذا النشاط على أساس أنه “حلال”، ما ساهم في تطبيع الظاهرة داخل المجتمع المحلي رغم تناقضها مع القوانين الرسمية للدولة.
الباحث محمد شرايمي، أستاذ علم الاجتماع بجامعة عبد المالك السعدي، اعتمد في دراسته على منهجية مزدوجة، جمعت بين التحليل الإحصائي والمقابلات الميدانية مع الساكنة، كما استند إلى تحليل مضامين بعض الأهازيج الجبلية التي تكشف عن المعاناة اليومية للمزارعين. هذه المقاربة أتاحت له تتبع خيوط الظاهرة بشكل معمق وموضوعي.
وأبرزت الدراسة أن الحديث المتكرر عن الفقر أو الفراغ الروحي كأسباب مباشرة للانتحار في هذه المناطق يبقى قاصرًا عن تفسير الظاهرة بشكل علمي. فالانتحار هنا هو تعبير عن مأزق اجتماعي كامل، يعيش فيه الفرد حالة حصار بين منظومة اقتصادية هشة، وواقع قانوني مضطرب، وضغوط نفسية متراكمة.
ويسلط هذا العمل البحثي الضوء على جزء معتم من المشهد الاجتماعي في شمال المغرب، حيث يتحول “الكيف” من مجرد محصول زراعي إلى عبء ثقيل يقود أحيانًا إلى نهايات مأساوية.








