لا تزال مدينة القنيطرة تعيش على وقع انتظار طويل الأمد لإخراج تصميم تهيئة جديد، بعدما تجاوز عمر آخر تصميم معتمد عتبة العقدين، وهو ما يضع المدينة على سكة عمرانية بلا بوصلة، في مشهد أقرب إلى “الاستثناء السلبي” في مجال التخطيط الحضري بالمغرب.
ففي الوقت الذي قطعت فيه مدن مغربية مماثلة أشواطاً متقدمة في تطوير وثائقها التعميرية، لا تزال القنيطرة رهينة “بلوكاج” مزمن تُثار حوله علامات استفهام متزايدة، بعدما تحوّل إلى معضلة مركبة تداخل فيها التقني بالسياسي، وامتزج فيها القانوني بالمصلحي، في ظل تضارب الرؤى بين مختلف الفاعلين، وتشابك حسابات جماعات المصالح، على رأسها لوبيات العقار التي يُتهم بعضها بمحاولة عرقلة المشروع للحفاظ على امتيازات استثنائية.
الجدل تفجّر مجددا بعد إعادة جماعة القنيطرة، خلال دورة استثنائية في مارس الماضي، فتح ملف تصميم التهيئة الذي كانت صادقت عليه مبدئيا في دورة شتنبر 2024، وهو ما فُهم على نطاق واسع باعتباره “تراجعا إلى نقطة الصفر”، خاصة مع غياب أي توضيح رسمي حول ما إذا كان الأمر يخص تعديلات جزئية أم مراجعة شاملة ستعيد المشروع إلى مرحلة الدراسة، مع ما يرافق ذلك من إهدار للزمن الإداري، وإطالة أمد الفراغ القانوني في مجال التعمير.
هذا الغموض دفع النائب البرلماني عن حزب العدالة والتنمية، مصطفى إبراهيمي، إلى مراسلة “فاطمة الزهراء المنصوري” وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان، متسائلا عن أسباب التأخير المتواصل، ومطالبا الحكومة بالإفراج العاجل عن التصميم الجديد، مُحذّرا من أن استمرار الوضع على ما هو عليه لا يهدد فقط التنمية الاقتصادية والاجتماعية بالمدينة، بل يُكرّس حالة من التخبط العمراني، في وقت تعرف فيه القنيطرة نموا ديموغرافيا متسارعا، وتدفقاً استثماريا لافتًا في قطاعات حيوية.
غير أن خلف هذا التأجيل الطويل، لا تُخفي مصادر محلية وجود تحركات محمومة في الكواليس من قبل لوبيات عقارية نافذة، سعت – حسب المعطيات المتداولة – إلى الاستفادة من الثغرات القانونية، وتحديدا من المادة 28 من القانون 12.90 المتعلق بالتعمير، التي تقضي بانتهاء صلاحية إعلان المنفعة العامة بعد مرور عشر سنوات من تاريخ نشر تصميم التهيئة في الجريدة الرسمية. وهي المهلة التي انتهت منذ سنوات، ما فتح شهية سماسرة العقار نحو أراضٍ كانت مخصصة أصلاً للتجهيزات والمرافق العمومية، في محاولة لإعادة توجيهها نحو الاستغلال السكني أو التجاري.
في هذا السياق، كشفت مصادر مطلعة أن بعض الفاعلين السياسيين المحليين دخلوا في تواطؤات مشبوهة مع منتفعين عقاريين، بهدف إعادة تنطيق أراضٍ استراتيجية تقع في مواقع حساسة من المدينة، مستغلين ظرفية إعادة الدراسة، وهي الفترة التي تُعتبر حساسة للغاية في مسلسل إعداد التصميم، بحكم أنها تُتيح تمرير تعديلات جوهرية دون رقابة صارمة.
ويستند هؤلاء إلى ما يُعرف بـ”الرخص الاستثنائية”، التي تُمنح خارج الضوابط المعتمدة، وتُستغل غالباً للتحايل على متطلبات التهيئة الجديدة، وإفراغ الوثيقة من مضامينها المتعلقة بالمرافق العمومية والمناطق الخضراء والمسالك الطرقية.
ورغم محاولات التهدئة من طرف بعض المنتخبين، إلا أن احتجاجات المنعشين العقاريين الصغار أضافت طبقة أخرى من التعقيد، إذ تقدم عدد منهم بشكايات إلى عامل الإقليم، عبد الحميد المزيد، وإلى رئيسة المجلس الجماعي، أمينة حروزى، يطالبون من خلالها بإعادة النظر في بعض الضوابط التي اقترحتها الوكالة الحضرية في المشروع الجديد، معتبرين أنها لا تراعي الواقع الميداني للتجزئات الجاهزة أو قيد الإنجاز. ومن بين تلك الشروط، على سبيل المثال، فرض عرض لا يقل عن 3 أمتار للغرف، وتحديد مساحة خاصة للمتاجر في الطوابق السفلى من الإقامات، وهي معايير اعتبرها صغار المستثمرين مرهقة وغير واقعية.
في مقابل ذلك، تسجل مصادر متابعة للملف، أن استمرار “البلوكاج” قد يُستغل لاحقا لتوجيه الوثيقة نحو تمكين جهات معينة من مساحات عقارية حساسة، خصوصا مع تنامي الطلب على الشقق السكنية المستفيدة من الدعم العمومي، وهو ما يُنذر بارتفاع أسعار العقار في المدينة، وتنامي المضاربات العقارية التي تجد في هذا الفراغ القانوني بيئة مثالية للنمو.
وبين مطرقة التأجيل وسندان الاستغلال المصلحي، تظل القنيطرة في وضع عمراني هشّ، حيث تُرك المجال مفتوحا أمام الرخص الاستثنائية والمعايير المزدوجة، فيما تغيب الرؤية الشمولية لتنمية متوازنة.







