قبل خمسين سنة، قيل إن أموال الفوسفاط ستعود على كل مغربي بـ20 درهمًا يوميًا…
اليوم، وبعد مرور كل هذا الزمن، نكتشف أن الملايين يدخلون نادي الفقر من أوسع أبوابه، في الوقت الذي تحقق فيه مداخيل الفوسفاط مكاسب تاريخية غير مسبوقة، بفعل تضاعف سعر هذه المادة التي تتحكم في الأمن الغذائي لعدد من الدول.
من حق المغاربة، إذن، أن يعرفوا أين تذهب ثروات هذا البلد، كما قال ملك البلاد ذات يوم حين تساءل: “أين الثروة؟” دون أن نحصل على جواب.
كما من حقهم، طبعًا، أن يطلعوا على أوجه صرف العوائد المتأتية من تصدير هذا الفوسفاط، الذي لا نسمع عنه إلا في الأخبار.
هذا الحق، للأسف، فضّل رئيس المجلس الأعلى للحسابات السابق إسقاطه بتبرير غير مقنع، بعد أن حجب مضمون التقرير الذي أُعد حول المكتب الشريف للفوسفاط، مكتفيًا بتقديم خلاصة إنشائية أمام لجنة مراقبة المالية، بدعوى أن نشر معطيات “ذات حساسية” بشأن أنشطة المكتب واحتياطيات الفوسفاط يمكن أن تستغلها جهات منافسة!
اليوم، من حق المغاربة أن يرفضوا سياسة شد الحزام التي تفرضها عليهم حكومة تلو أخرى، تحت ذريعة الأزمة وصعوبة وضعية الميزانية.
وهذا، في وقت تسيل فيه الملايير من صفقات مشبوهة، ويواصل الفساد الكبير افتراس جزء مهم من الناتج الخام للبلاد، ومعه مستقبل العباد.
لقد كنا نعيب في السابق على الحكومات عدم التفاعل مع تقارير المجلس الأعلى، رغم المجهود الذي يبذله في رصد الثقوب الكثيرة التي تسمح بتبديد مدخرات هذا الوطن وثرواته.
لكننا اكتشفنا أن المجلس نفسه خانته الشجاعة والجرأة، وتورط في تكريس “الطابوهات” والخطوط الحمراء، بعد حجبه معلومات مهمة ومطلوبة، ليس فقط من طرف المغاربة، بل حتى من نواب برلمانيين ضمن لجنة من صميم اختصاصها النبش في مثل هذه الملفات.
ما وقع يُبيّن، باختصار، أن أهم ثروة للمغاربة، وهي الفوسفاط، ما زالت “علبة سوداء” يُمنع الاقتراب منها أو طرح الأسئلة عن كيفية تدبير أرباحها.
رغم أننا نتحدث عن بلد هو أكبر منتج ومصدر للفوسفاط في العالم.
الأمر يتعلق بحقيبة مالية ضخمة للدولة تُصرف منها كيفما تشاء، حتى في زمن الأزمة والغلاء الذي دفع الناس إلى النزول إلى الشارع للاحتجاج.
لقد كان تبرير السيد جطو بمثابة جدار عالٍ يكرّس مزيدًا من السرية والتحفظ على كيفية إدارة أهم ثروة للمغاربة.
وكان ذلك بمثابة “قتل رحيم” لمهمة رقابية استغرقت ثلاث سنوات، وعلّقت عليها آمال كبيرة لإخراج هذه المؤسسة إلى ضوء الشفافية، والقطع مع ما قال عدد من البرلمانيين إنها “ادعاءات تلاحقها”.
اليوم يتبيّن من جديد أن مشكلتنا ليست في الثروة، بل في احتكارها والاستحواذ عليها.
مشكلتنا أن هناك نية للإبقاء على عدد من المؤسسات والشركات العمومية التي تتحكم في ميزانيات فلكية خارج أي رقابة فعلية.
وهكذا، يبقى السؤال الكبير معلقًا…
أين الثروة؟







