قبل أيام قليلة من بدء فصل الصيف رسمياً في 2025، تحولت انقطاعات المياه في مليلية من مجرد إزعاج عابر إلى مشكلة مستمرة تضرب بقوة أعمال المدينة. من صالونات الحلاقة إلى مغاسل السيارات، مروراً بالحانات والمطاعم ومحلات التنظيف الجاف، تُجبر هذه الأعمال المحلية على ابتكار حلول مؤقتة للبقاء مفتوحة في مدينة يُعتبر فيها توفير المياه، رغم كونه أساسياً وحيوياً، منذ بداية العام مستمراً في حالة عدم استقرار لا تطاق.
على الأرض، يتفق التجار على أن انقطاعات المياه لا تعقد فقط حياتهم اليومية، بل تهدد استمرارية أعمالهم الاقتصادية. تقول إحدى الحلاقات: “لو لم يكن لدينا خزان مياه، لكنا أغلقنا المحل مباشرة. فالمياه ضرورية لكل شيء: لغسل الشعر، وتطبيق وتصفية الصبغات، ولأي خدمة نقدمها. حتى وإن كان لدينا خزان، عند انقطاع المياه تنخفض الضغوط، ويتباطأ العمل وغالباً لا يسخن الماء جيداً ويخرج دافئاً.”
حتى مغاسل السيارات لم تسلم من المشكلة. تقول إحدى العاملات هناك: “عندما يحدث انقطاع المياه، تتعطل المسدسات التي تعمل بضغط مياه الشارع.” ورغم اعتماد الكثيرين على خزانات وأنظمة تخزين لتجاوز الأزمة، إلا أنهم يعترفون بأنها ليست كافية دائماً. “عندما تستمر الانقطاعات لفترة طويلة، نصبح عاجزين. والأسوأ أنهم بالكاد يخبروننا مسبقاً. لا يمكننا التخطيط لأي شيء.”
أما في محلات التنظيف الجاف، حيث المياه أساسية لكل عملية التنظيف الرطب ومعالجة الملابس، فإن الانقطاعات تسبب صداعاً يومياً. يقول مسؤول أحد المحلات: “كلما انقطعت المياه، تبقى الملابس غير مكتملة التنظيف. لا يمكنك الغسل أو الشطف وهذا يؤدي إلى تأخير الطلبات، واستياء الزبائن، وخسائر مالية.” ويضيف: “الناس لا يفهمون أن الأمر ليس خطأنا، فقط يرون أننا لا نسلم الملابس في الوقت المحدد.”
وتعاني المطاعم أيضاً من العواقب. فالنظافة ركيزة أساسية لأي مطبخ، وبدون مياه تصبح تنظيف الأدوات، الصحون، والأيدي أمراً صعباً للغاية. تقول صاحبة مقهى صغير بالمنطقة الصناعية: “فتح مطعم بدون ماء أمر جنوني حقاً. اضطررنا لشراء براميل، تسخين الماء في دلاء، وتجهيز مغاسل متنقلة… لكن هذا غير مستدام. أُجبرنا على الإغلاق عدة مرات عند الظهيرة لأنه أصبح من المستحيل الاستمرار. نفدت الصحون والأدوات، وكل شيء كان متسخاً.”
ويزداد الغضب من قطاع الأعمال بسبب غياب التخطيط والتواصل من قبل السلطات. يقول التجار: “لا يخبروننا أبداً. فجأة تجد نفسك بدون ماء في منتصف الصباح، حين تكون كل الأمور جاهزة، ويجب عليك أن تبدأ بالارتجال.”
وتتابع إحدى الحلاقات: “والأسوأ أن الحلول التي يعدون بها، مثل الوحدة الرابعة المشهورة، لا تعمل كما ينبغي. ما زالوا يقطعون المياه يومياً في أحياء مثل كابريريزاس، كالفو سوتيلو أو مونتي ماريا كريستينا، التي يُقطع فيها الماء دائماً في الساعة الثالثة بعد الظهر. أعتقد أنهم يجب أن يجدوا خياراً آخر لضمان وجود المياه دائماً، وليس قطع المياه عن أحياء معينة ليحصل باقي المدينة عليها. كل المدينة تستحق المياه.”
وتزداد الأزمة سوءاً عندما يؤخذ في الاعتبار الوضع الاجتماعي والاقتصادي العام. فالعديد من هذه المشاريع، خصوصاً الصغيرة منها، تعاني منذ جائحة كورونا وزيادات التكاليف المتلاحقة في الإيجارات، الفواتير، والاشتراكات. يقول العاملون في التنظيف الجاف: “لا يمكننا تحمل خسارة يوم عمل. كل يوم لا نعمل فيه يعني خسارة مباشرة. وبالإضافة لذلك علينا تحمل تكاليف تركيب خزانات، مضخات، وسخانات بديلة… كل ذلك من جيوبنا.”
في الوقت ذاته، تواصل الأعمال في مليلية الصمود بأفضل ما يمكن. حلاقات يترقبن أن لا يفرغ الخزان. مغاسل تتوقف فجأة عند انخفاض الضغط. محلات تنظيف جاف تتراكم فيها الملابس دون معالجة. مطاعم تغسل الصحون يدوياً ببراميل المياه. وكل ذلك في مدينة أوروبية في القرن الواحد والعشرين، حيث لا تزال المياه، بشكل مفارقة، سلعة فاخرة.
الأحداث السياسية حول انقطاع المياه
محطة تحلية مياه مليلية، التي قُدمت توسيعها كحل نهائي لمشاكل الإمدادات، أصبحت اليوم محور جدل كبير. استثمر فيها أكثر من 30 مليون يورو، وكان من المفترض أن تضمن الوحدة الرابعة تدفقاً يومياً يصل إلى 30 ألف متر مكعب، لكنها ما تزال غير عملية بعد أكثر من عام على تسليمها للمدينة.
اتهم مسؤول البيئة دانييل فينتورا علناً بأن المنشأة سُلّمت في حالة “مزرية” ولا تحتوي حتى الآن على الخط الكهربائي اللازم لتشغيل جميع وحداتها. وصف وعود حكومة المدينة والهيئة المائية “بالخداع”، مؤكداً عدم وجود وثيقة تثبت التشغيل الصحيح للبنية التحتية.
من جانبها، اتهمت مندوبة الحكومة سابرينا موه الحكومة المحلية بـ”عدم الاتساق” و”الاختباء وراء الأعذار” بدل تحمل مسؤولياتها. قالت: “عرفت عبر الصحافة أن المدينة دعت إلى اجتماع لبحث الوضع. إذا كانوا يلومونني على كل شيء، فمن المنطقي أن يشركوني في الحل.”
ووصف نائب حزب فوكس في الجمعية، خوسيه ميغيل تاسيندي، الوضع بأنه “عرض مخزٍ” حيث “تتقدم المواجهة السياسية على مصلحة المواطنين”. وأضاف: “المياه والصحة ليست لعبة”، وحث الهيئة المائية والمدينة على تحمل المسؤولية بدلاً من تغذية الصراع المؤسسي.
في الوقت نفسه، لا تزال مقترحات مثل ربط خزان أديلفاس بشبكة التوزيع (الذي يصر عليه منذ سنوات أمين أزماني، زعيم حزب “سوموس مليلية”) معلقة.
عن “الفارو”







