أعادت “التدوينة المتعلقة بنشاط حزبي للأحرار”، التي جرى نشرها ثم حذفها لاحقًا من الصفحة الرسمية لرئيس الحكومة عزيز أخنوش، تسليط الضوء من جديد على أزمة قديمة وحديثة في المغرب، تتعلق أساسًا بـ”الخلط بين السلط والمصالح”، واستعمال أدوات الدولة في خدمة أجندة سياسية حزبية ضيقة.
لم تكن هذه التدوينة حدثًا عابرا في سياق سياسي هادئ، بل جاءت لتصب الزيت على نار مشتعلة أصلًا، في ظل تراكم مؤشرات على أن الفارق بين الحكومة والحزب بدأ يذوب، وأن الحدود التي يرسمها الدستور بين السلطة التنفيذية والعمل الحزبي لم تعد سوى حبر على ورق.
وتؤكد مصادر تحدثت إلى “نيشان“، أن ما جرى على صفحة رئيس الحكومة ليس مجرد خطأ تقني أو زلة تواصلية، بل هو صورة مكثفة لخلل بنيوي أعمق يتعلق بكيفية ممارسة السلطة من وجهة نظر حزب “رجال الأعمال والمليارديرات”، وبمنظور يتعامل مع مؤسسات الدولة كامتداد طبيعي لجهاز حزبي يسيطر على مفاصل القرار السياسي والاقتصادي.
الواقعة التي فجرت المستور
التدوينة المعنية كانت توثق نشاطا داخليا لحزب التجمع الوطني للأحرار في جهة سوس ماسة، ظهر فيها عزيز أخنوش بصفته رئيسًا للحزب وهو يخاطب مناضليه، لكن المنصة التي استُخدمت لنشر هذا المحتوى لم تكن صفحة الحزب أو صفحة شخصية، بل الصفحة الرسمية لرئاسة الحكومة المغربية؛ قناة التواصل المخصصة لإخبار المواطنين ببرامج الحكومة وسياساتها وأنشطتها الرسمية.
الواقعة، رغم محاولات طمسها بحذف التدوينة، فضحت خلطًا واضحًا للصفات، وهشاشة الفاصل المؤسساتي بين الحكومة كجهاز تنفيذي ملزم بالحياد، وبين الحزب كأداة نضالية وسياسية. لكنها أيضًا كشفت طريقة تفكير داخلية تعتبر أن المؤسسات العمومية مجرد أدوات ضمن “ترسانة النفوذ” التي تُمكن الحزب وقادته من توسيع تأثيرهم السياسي والانتخابي.
وتعليقا على ذلك، أكد الدكتور عبد الإله الحليمي، أستاذ العلوم السياسية والمحلل المتخصص في الشأن الحزبي المغربي، “أن ما وقع مع تدوينة رئيس الحكومة ليس مجرد خطأ تقني أو زلة تواصلية، بل هو مؤشر على وجود تصور داخل بعض النخب بأن الدولة ليست سوى امتداد لمشروع الحزب الحاكم. هذه الذهنية خطيرة لأنها تخلط بين الدولة ككيان جامع لكل المواطنين، والحزب كتنظيم يعبر عن جزء فقط من الطيف السياسي.
وأضاف الحليمي في اتصال هاتفي مع “نيشان” “إن تكرار مثل هذه السلوكيات يُقوض مبدأ التعددية، ويعيد إنتاج ممارسات ما قبل دستور 2011، حيث كانت أدوات الدولة توظف بشكل فج لخدمة مشاريع انتخابية وحزبية.” مردفًا بالقول: “إن المشكلة اليوم أن المؤسسات الرقابية تبدو عاجزة، إما بسبب الضغوط السياسية أو بفعل غياب الإرادة لتفعيل آليات المساءلة.”
من “تدوينة فيسبوك” إلى إمبراطورية نفوذ
هذه التدوينة، رغم بساطتها الظاهرية، ليست سوى رأس جبل الجليد. فهي امتداد لسلسلة من الوقائع التي كشفت على مدى الشهور الأخيرة أن مشكل تضارب المصالح في المغرب لم يعد يتعلق فقط بالشبهات، بل أصبح وضعًا بنيويًا يهدد جوهر التوازن بين السلطة والثروة.
فالمغاربة لم ينسوا بعد الضجة التي رافقت صفقة تحلية مياه البحر بالدار البيضاء، التي آلت إلى تحالف شركات يضم “أفريقيا غاز”، المملوكة للهولدينغ العائلي لعزيز أخنوش.
الصفقة الضخمة، البالغة قدرتها الإنتاجية 300 مليون متر مكعب سنويًا، اعتُبرت من طرف المعارضة نموذجًا صريحًا لتضارب المصالح، خاصة أن الجهة المشرفة عليها هي المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب، الذي يرأس أخنوش مجلسه الإداري.
بل إن رئيس الحكومة لم يكتف بالدفاع عن الصفقة، بل تبنى خطابًا هجوميًا وصل حد اتهام منتقدي الصفقة بـ”ضرب الدولة”، في سابقة تكشف عمق التماهي بين السلطة التنفيذية والمصالح الاقتصادية الخاصة.
مصدر مطلع تحدث إلى “نيشان” طالبا عدم الكشف عن هويته، علق على الموضوع قائلا “لسنا أمام أخطاء فردية أو تقنية، بل أمام بنية كاملة تشتغل بمنطق أن الدولة والحزب والثروة كلها أجزاء من مشروع واحد يحتكر النفوذ”.
ورغم كل الضجة، لم تصدر الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها أي موقف قوي، ولم يتم تشكيل لجنة لتقصي الحقائق في البرلمان، ولم تتحرك أجهزة التفتيش المالية. فقط صمت رسمي مطبق، يقابله غضب شعبي مكتوم.
مؤسسة “جود”.. المساعدات بغطاء إنساني وبرائحة انتخابية
وكأن ذلك لم يكن كافيًا، في مارس 2025، انفجرت فضيحة أخرى أكثر رمزية وخطورة: شاحنة جماعية محملة بمساعدات تابعة لمؤسسة “جود” أمام منزل الوزير مصطفى بايتاس بسيدي إفني. الواقعة، التي التقطتها عدسات الهواتف وانتشرت بسرعة على مواقع التواصل الاجتماعي، فجرت موجة أسئلة: ما علاقة الوزير بهذه المؤسسة؟ ولماذا كانت شاحنة الجماعة المحلية التي يرأسها عضو في حزب الأحرار تقوم بتفريغ مساعدات أمام منزل الوزير؟
رئيس الجماعة قدم تبريرات مرتبكة زادت الوضع غموضًا، فيما التزم بايتاس الصمت بشكل أثار الريبة أكثر مما بددها.
فيما انتظر مصطفى بايتاس، الوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة المكلف بالعلاقات مع البرلمان والناطق الرسمي باسم الحكومة وعضو المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار، أيامًا عدة، وبعدما خفت الضجيج قليلا، خرج في منبر إعلامي مقرب لينفي صلة الحزب بمؤسسة “جود”.وقدم بايتاس خلال استضافته في هذا المنبر روايته لحادثة استخدام شاحنة تابعة لجماعة تيوغزة في توزيع مساعدات يُشتبه في أنها مرتبطة بجمعية “جود”، وقال: “كنا في رمضان وكنت أستعد للنوم، فجأة وصلتني رسالة على الواتساب فيها صورة تفيد بوجود توزيع مساعدات واستخدام آليات الدولة في العملية. أولًا، هذا ليس منزلي، بعض الناس قد يظنون أن هذا منزلي، لكنه منزل لأحد أفراد العائلة، وأنا أسكن في حي بولعلام”.
وتابع الوزير نافياً صلته بالحادثة: “أنا أدير بلدية سيدي إفني ولكن في المعارضة، وليس لدي سلطة على الآليات والشاحنات. أنا في المعارضة، فهل للمعارضة سلطة على الآليات؟ هذا المنزل ليس لي ولست مسؤولًا عن ما يحدث فيه”.
وأضاف: “رأيت الصورة مثل باقي المواطنين وعرفت أنها أثارت النقاش، وأؤكد أن مؤسسة جود لا علاقة لها بالحزب”.
ثروة أخنوش.. المشكلة العميقة التي لا يريد أحد فتحها
كل هذه الوقائع لا يمكن فصلها عن الحضور الطاغي لثروة أخنوش في المشهد الاقتصادي المغربي. الرجل، الذي تقدر “فوربس” ثروته بـ1.6 مليار دولار، يظل الفاعل الأبرز في قطاعات استراتيجية: المحروقات، الغاز، الفلاحة، والماء، ومؤخرًا أُضيف قطاع التأمينات.
صحيح أن أخنوش صرح رسميًا بأنه انسحب من تسيير المجموعة العائلية منذ توليه رئاسة الحكومة، لكن الانسحاب من التسيير لا يعني الانسحاب من الاستفادة. فوجود شخص بهذا الحجم من النفوذ المالي على رأس الحكومة يطرح إشكالية أخلاقية وسياسية تتجاوز القوانين إلى عمق فكرة توازن السلط والمصالح في الدولة.
كما أن أخنوش، في كل مرة يُسأل عن الموضوع، يعود للعب على وتر القانون، مؤكدًا أنه لم يرتكب ما يخالف النصوص القانونية. لكن السؤال الأكبر هو: هل السياسة تُدار بالنصوص وحدها أم بروح المؤسسات وأخلاقيات العمل العام؟
أزمة ثقة متفاقمة.. ونموذج تنموي مهدد
الخطر الأكبر اليوم ليس فقط في حجم هذه الوقائع، بل في أثرها التراكمي على ثقة المواطنين في المؤسسات. كلما تكررت مثل هذه الممارسات، كلما تعمق الشعور العام بأن الدولة ليست على مسافة واحدة من الجميع، وأن السلطة تحولت إلى أداة لحماية المصالح الخاصة بدلاً من ضمان العدالة والإنصاف للجميع.
أستاذ العلوم السياسية عبد الرحيم الفكياكي أكد لـ”نيشان” أن “ما نشهده الآن هو بداية أزمة مشروعية صامتة. الخطورة ليست فقط في مخالفة القواعد، بل في تقويض ما تبقى من مصداقية المؤسسات أمام الشباب والطبقات المتوسطة التي تتابع هذه المشاهد يوميًا عبر هواتفها”.
وتابع موضحًا أن “المثير في واقعة التدوينة ليس التدوينة في حد ذاتها، بل ما تعكسه من استخفاف بمنظومة الحكامة. حين نكون أمام رئيس حكومة يمتلك واحدة من أكبر الثروات في البلاد، ويترأس في الوقت نفسه مؤسسة تنفيذية تشرف على صفقات بمليارات الدراهم، ولا توجد آليات فاعلة للحد من تضارب المصالح، فنحن أمام نموذج مكشوف للخلل البنيوي في تطبيق مبدأ الحكامة. ما حدث كان يجب أن يكون مناسبة لتحرك سريع للمؤسسات الرقابية، لكن للأسف، هذه المؤسسات صارت أشبه بلجان استشارية أكثر من كونها أجهزة تملك قوة القرار.”
إلى أين ؟
الأسئلة الثقيلة باتت اليوم على الطاولة، من يوقف هذا الانزلاق؟ وأين تتجه البلاد في ظل هذا التداخل العميق بين السياسة والثروة؟ وهل يكفي الدخول في موسم انتخابي جديد لإعادة التوازن، أم أن الأزمة أعمق من مجرد اقتراع جديد؟
الواضح أن التدوينة التي نشرها فريق تواصل رئيس الحكومة، وإن كانت صغيرة في ظاهرها، إلا أنها كشفت بوضوح هشاشة البنية المؤسساتية، وزيف ادعاء الحياد الحكومي، وعمق المأزق الأخلاقي والسياسي الذي تمر به السلطة التنفيذية في المغرب اليوم. فما جرى لم يكن مجرد تدوينة.. بل كان إشعارا رسميا بأن الدولة تُدار بعقلية الحزب في نظر البعض.







