في مقاهٍ باتت معروفة ضواحي مراكش، يلتقي سماسرة الأراضي بزبائن يفضلون الدفع نقدا مقابل بقع غير محفظة، بعيدا عن أعين الموثقين ومكاتب التسجيل. هنا، تبدأ رحلة تبييض أموال مشبوهة، تنتهي غالبا في حسابات بنكية نظيفة، بعدما تكون العقارات قد تحولت من أصول «غير مسجلة» إلى معاملات موثقة بأوراق قانونية.
هذا السيناريو لم يعد سرا، بل صار هاجسا يؤرق السلطات المغربية، بعد أن أكدت معطيات حصلت عليها «نيشان» من مصادر قضائية، أن نحو 35% من الصفقات العقارية الكبرى في مناطق الأطلس وسوس وطنجة وغيرها تتم خارج دائرة التحفيظ العقاري، ما يوفر بيئة مثالية لغسل الأموال، خاصة تلك القادمة من أنشطة غير قانونية كتهريب المخدرات والاتجار بالبشر.
خطر «الكاش» والعقارات غير المحفظة
وفق إحصائيات صادرة عن الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية لسنة 2024، لا تزال نسبة العقارات غير المحفظة في المغرب تتجاوز 55% من إجمالي الوعاء العقاري الوطني، خصوصا في المناطق القروية والضواحي الحضرية الجديدة. وتكمن خطورة هذه المعطيات في كون البيع النقدي هو السائد، مما يفتح الباب لتدوير أموال مجهولة المصدر بعيدًا عن مساطر المراقبة البنكية، إذ يتم لاحقًا إدخال الأموال للنظام المالي بعد إعادة بيع الأرض بطريقة قانونية.
ويكشف مصدر من الهيئة الوطنية للموثقين، في تصريح خص به «نيشان»، أن هذه العمليات «تحولت إلى وسيلة مغرية للمهربين ومبيضي الأموال»، خصوصا أن العقارات غير المحفظة تسمح بإخفاء المالكين الأصليين وصعوبة تتبع مصدر الأموال، ما يعقد مهمة أجهزة مكافحة الجرائم المالية.
وزارة العدل تتحرك بعد تنبيهات دولية
وجّهت مجموعة العمل المالي الدولية (GAFI) في تقريرها الأخير الصادر بداية 2025، انتقادات للمغرب بشأن استمرار ثغرات في ضبط حركة الأموال بالعقارات، داعية لتوسيع إجراءات اليقظة المالية لتشمل كل المهنيين المرتبطين بالصفقات العقارية.
وأمام هذا الضغط الدولي، بادر وزير العدل عبد اللطيف وهبي إلى إعلان قرار إقصاء المحامين من تحرير عقود بيع العقارات غير المحفظة، وحصرها في يد الموثقين والعدول الخاضعين لرقابة مباشرة وفق القانون 43.05 المتعلق بمكافحة غسل الأموال.
وفي اتصال هاتفي مع مصدر من وزارة العدل، أوضح لـ«نيشان» أن هذا القرار «جاء بعد رصد استغلال بعض العقود المحررة لدى “محامين” لتسهيل السطو على أراضي الدولة أو الأراضي السلالية، وللتهرب من إجراءات المراقبة المالية، إذ أن السر المهني لدى المحامي يحول دون إخضاعه لأي تفتيش فعلي، ما يشكل ثغرة خطيرة».
الموثقون بين المطرقة وسندان الشبهات
«نتعرض أحيانًا للضغوط من زبائن يرفضون كشف مصادر أموالهم، ويهددون بإلغاء الصفقة إن طلبنا مستندات أو وثائق إضافية»، يقول موثق بمدينة الدار البيضاء لـ «نيشان»، مشيرًا إلى أن «إلزامية إعداد بطاقة معلومات مفصلة عن كل زبون، التي فرضتها مذكرة وزيرة الإسكان، تصطدم برفض بعض المشترين التعاون، خصوصًا القادمين من الخارج أو أصحاب الشركات الوهمية».
ويكشف نفس الموثق أن بعض زملائه صاروا يتفادون التعامل مع عمليات بيع العقارات غير المحفظة لتفادي أي شبهة قد تعرضهم للتحقيق أو لعقوبات محتملة من مجلس المنافسة المالية، الذي صار يراقب الصفقات المشبوهة.
سماسرة.. سوق العقارات غير المحفظة ما زالت مفتوحة
مصادر عليمة كشفت لـ «نيشان» استمرار عمليات بيع الأراضي غير المحفظة بعقود عرفية في عدد من المدن الكبرى رغم القرارات الأخيرة. المصادر أكدت أن مجموعات مغلقة وسرية على واتساب وغيرها من تطبيقات التراسل الفوري، تروج وساطات بيع بقع أرضية يتم فيها دفع مبالغ تتجاوز أحيانًا 700 مليون سنتيم نقدًا، دون أي وثيقة قانونية سوى شهادة عرفية موقعة من «شهود محليين». ويقول سماسرة محليون إن بعض المشترين يفضلون شراء قطع صغيرة متفرقة لنقل الأموال بشكل متدرج وإبعاد الأنظار عن عمليات التبييض.
خبراء يحذرون..تعميم التحفيظ ضرورة وطنية
أكد خبراء قانونيون في حديثهم لـ«نيشان» إلى أن الحل الجذري يكمن في تعميم التحفيظ الإجباري للعقارات في كافة التراب الوطني، وتقليص آجال معالجة ملفات التحفيظ، وتحديث نظام المحافظة العقارية، فضلاً عن ضرورة تطوير نظام إلكتروني مشترك بين الموثقين، العدول، البنوك، والمحافظة العقارية لرصد أي تلاعب أو تدفقات مالية مشبوهة.
اكراهات وتحديات في الميدان.. بؤر مقاومة للإصلاح
رغم التحركات التشريعية الأخيرة، ما تزال بعض المناطق تُعتبر بؤرًا عصية على المراقبة، خاصة في ضواحي طنجة والحسيمة وتطوان، حيث تشير معطيات تحصلت عليها «نيشان» إلى استمرار تداول العقارات غير المحفظة بشكل موازٍ للأسواق الرسمية، مستفيدين من التعقيدات المرتبطة بالأراضي السلالية أو تلك التي ما تزال في نزاع قضائي. ففي هذه المناطق، يسهل تبرير صفقات مشبوهة بذرائع تقليدية مثل الخلافات العائلية أو صعوبة التنقل لإتمام التحفيظ.
ويكشف مصدر مطلع في الدار البيضاء، أن «بعض الشبكات المتخصصة في تبييض الأموال صارت تعتمد وكلاء محليين يتكفلون بجمع العقود العرفية من مناطق مختلفة ثم بيعها لاحقًا دفعة واحدة في السوق العقاري النظامي، في عملية تُعرف داخليًا باسم “تدوير العقار”، ما يجعل تتبع الأموال شبه مستحيل».
من جهته أكد الخبير الاقتصادي “محمد الرهطوط” في تصريح خاص لـ«نيشان» أن استمرار العقارات غير المحفظة بهذا الحجم يُغذي المضاربات العقارية، ويرفع الأسعار بشكل مصطنع، وهو ما ينعكس سلبًا على القدرة الشرائية للمواطنين ويفاقم أزمة السكن. ويضيف الرهطوط: «غسل الأموال في العقارات لا يقتصر على تحويل الأموال المشبوهة، بل يؤدي إلى ارتفاع غير مبرر في قيمة الأراضي، ما يخرجها عن متناول الأسر المتوسطة والفقيرة، خاصة في المناطق الحضرية الكبرى».
دور البنوك والضرائب في سد الثغرة
وفي خطوة وصفتها مصادر مالية بـ«الإيجابية ولكن المتأخرة»، أصدرت لجنة اليقظة المالية داخل بنك المغرب بداية يونيو 2025 دورية جديدة تلزم البنوك بمراجعة كل الإيداعات الكبرى المرتبطة بصفقات عقارية، والإبلاغ عن أي تحويلات تفوق 500 ألف درهم مشكوك في مصدرها. غير أن مصدرًا مطلعًا في القطاع البنكي أكد لـ«نيشان» أن «البنوك تواجه صعوبة في التحقق من الصفقات المرتبطة بالعقارات غير المحفظة لأن معظمها يتم خارج قنواتها الرسمية».
من جهة أخرى، كشف مصدر آخر أن عمليات البيع النقدي للعقارات غير المحفظة تحرم خزينة الدولة من مبالغ ضخمة من الرسوم المفروضة على الصفقات العقارية، مقدرًا الخسائر السنوية بما يفوق مليار درهم في شكل ضرائب ورسوم تسجيل غير محصلة.
وتظهر هذه المعطيات الميدانية والرسمية أن معالجة ملف العقارات غير المحفظة يتطلب رؤية إصلاحية شاملة، تنطلق من تحديث المساطر الإدارية لتسريع التحفيظ العقاري، وفرض التسجيل الإلكتروني الإجباري لكل عمليات البيع، مع تعزيز قدرات العدول والموثقين في رصد الأموال المشبوهة، وربط هذه الجهود بنظام معلوماتي موحد بين وزارة العدل، الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية، بنك المغرب، والنيابة العامة.
كما يدعو الخبراء إلى إطلاق حملات تحسيسية موجهة للمواطنين في القرى والضواحي لتوعيتهم بخطورة التعامل بعقود عرفية، وإقناعهم بأهمية تحفيظ ممتلكاتهم لضمان حقوقهم القانونية وتفادي استغلالها في عمليات غير مشروعة.







