بينما تتسارع الخطى في المغرب للتحضير لموعد تاريخي يتمثل في تنظيم كأس العالم 2030 إلى جانب إسبانيا والبرتغال، يتصاعد في المقابل صوت مغاير ومقلق، ينبعث من تقارير دولية تحذر من أزمة مائية غير مسبوقة تلوح في الأفق. أزمة قد لا تمهل البلاد حتى منتصف القرن لتعلن نفسها، بل بدأت تباشيرها تطفو على السطح منذ الآن، مع تدني مستويات السدود، وتراجع التساقطات المطرية، وتسجيل درجات حرارة قياسية.
في هذا السياق، يطرح السؤال نفسه بإلحاح، هل تملك المملكة القدرة البيئية على تنظيم تظاهرة كروية بهذا الحجم، في وقت تكافح فيه من أجل تلبية الحد الأدنى من حاجيات سكانها من الماء؟
مؤشرات الإنذار تتضاعف.. والأرقام تنذر بالخطر
تقرير دولي حديث صدر عن “المركز الوطني الأمريكي للتخفيف من آثار الجفاف” في يوليوز الجاري، ضمن إطار اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر، دق ناقوس الخطر بخصوص الوضع المائي في المغرب، محذرًا من دخول البلاد مرحلة “الندرة المائية الحادة” بحلول 2050، إذا استمرت الاتجاهات المناخية والبيئية الحالية على حالها.
التقرير رصد تراجعًا دراماتيكيًا في مستويات التساقطات، خاصة في المناطق الجبلية التي تشكل الخزان الطبيعي للفرشات المائية، وتوقع انخفاضًا في هطول الأمطار قد يصل إلى 65% في أحواض جبال الأطلس بحلول نهاية القرن. أما متوسط حصة الفرد من المياه، فقد بلغ اليوم حوالي 645 مترًا مكعبًا سنويًا، مقارنة بـ2500 مترًا مكعبًا كمعدل دولي مقبول، ومرشح للنزول إلى أقل من 500 متر مكعب بحلول منتصف القرن، وهو ما يضع البلاد في خانة “الندرة الشديدة” حسب المعايير العالمية.
هذه المؤشرات لم تعد مجرد أرقام في تقارير علمية، بل باتت تُترجم إلى وقائع ملموسة في المدن والقرى. انقطاعات متكررة للمياه، تراجع منسوب السدود إلى مستويات قياسية (أبرزها سد المسيرة الذي oscillates بين 1% و2%)، وإجراءات تقشفية وصلت حد إغلاق الحمامات العمومية ثلاثة أيام في الأسبوع في بعض المناطق.
كأس العالم.. عطش يتخفى تحت ستار المجد الرياضي
بينما يُنتظر أن يحتضن المغرب عددًا من مباريات مونديال 2030، إلى جانب مئات التدريبات والأنشطة المرافقة، فإن الأسئلة تتكاثر حول كيفية التوفيق بين متطلبات تنظيم هذا الحدث الضخم وواقع العطش المتفاقم.
الملاعب الكبرى التي سيُعاد تأهيلها أو تشييدها، لن تقتصر على استهلاك كميات ضخمة من المياه خلال فترة الحدث فقط، بل ستكون عبئًا دائمًا على شبكات التوزيع، خصوصًا إن تم الاعتماد على العشب الطبيعي الذي يحتاج إلى الري المنتظم.
يقول الخبير البيئي أيوب مرير، في تصريح لـ “نيشان“:كل ملعب بعشب طبيعي يمكن أن يستهلك يوميًا ما يفوق 700 متر مكعب من المياه في الصيف، أي ما يكفي لتلبية حاجيات مئات الأسر في مناطق قروية تعاني من العطش. وإذا أضفنا المسابح الفندقية، الحمامات العامة، “نوافير الشرب العمومية، والحدائق التزيينية، فسيكون الضغط على الموارد المائية غير مسبوق.”
هذا دون احتساب الكثافة السكانية المؤقتة التي ستشهدها المدن المحتضنة للمباريات، حيث سيتوافد مئات الآلاف من المشجعين والسياح والصحفيين، ما سيرفع الطلب على المياه الصالحة للشرب والنظافة والاستحمام والطهي.
هل تنقذ تحلية المياه المشهد؟
تحاول الدولة المغربية منذ سنوات إيجاد حلول بديلة للأزمة المائية، أبرزها اللجوء إلى مشاريع تحلية مياه البحر. ويجري حاليًا بناء 11 محطة جديدة، بالتوازي مع تشغيل 23 محطة متنقلة، في مسعى لتقليل الضغط عن السدود والفرشات الجوفية.
لكن هذه المشاريع لا تخلو من الإشكالات. فوفقًا لخبراء الطاقة والبيئة، فإن تحلية المياه تتطلب استهلاكًا ضخمًا للطاقة، والمغرب لا يزال يستورد أكثر من 90% من حاجياته الطاقية، مما يجعل هذه التقنية مكلفة ماليًا وبيئيًا على حد سواء.
يقول “أيوب مرير”: إذا كنا نعاني اليوم من صعوبات في تلبية حاجيات السكان فقط عبر التحلية، فكيف سيكون الحال إذا أضفنا ضغط كأس العالم؟ الخطر هو أن نضطر لتحويل موارد مخصصة للأحياء السكنية نحو الفنادق والملاعب.”
دروس من تجارب سابقة.. عندما يتحول المجد إلى عبء
ليست هذه المرة الأولى التي يُثار فيها النقاش حول الأثر البيئي للتظاهرات الرياضية الكبرى. ففي مونديال قطر 2022، رغم استخدام تكنولوجيا متقدمة للتبريد وتدوير المياه، تعرضت الدولة الخليجية لانتقادات بسبب الاستهلاك المهول للطاقة والمياه لتأمين راحة المشجعين واللاعبين وسط حرارة خانقة.
أما في البرازيل 2014، فقد خُلد المونديال في ذاكرة سكان ريو وساو باولو ليس فقط بسبب الأهداف، بل أيضًا بسبب الجفاف التاريخي الذي ضرب البلاد لاحقًا، بعدما التهمت الملاعب والمرافق الجديدة كميات ضخمة من المياه، في وقت كانت فيه طبقات اجتماعية واسعة تعاني من نقص في الخدمات الأساسية.
تقول الصحفية الجنوب إفريقية ليندا نكوسي التي غطت مونديال 2010: “بعد المونديال، بقيت المنشآت على حالها، لكن الأحياء الفقيرة بقيت تعاني من العطش والفيضانات ونقص الصرف الصحي. كان علينا أن نتساءل: لمن نظمنا كأس العالم؟ ولأي ثمن؟”
التحدي المغربي.. مونديال مستدام أم إنكار للواقع؟
لا شك أن تنظيم كأس العالم يمثل فرصة استثنائية للمغرب من الناحية الاقتصادية والسياحية والدبلوماسية. فالحدث يسلّط الأضواء العالمية على البلاد، ويفتح المجال أمام استقطاب الاستثمارات والبنية التحتية، ويعزز من موقع المملكة كقوة إقليمية.
لكن كل هذه المكاسب تبقى هشة إذا لم تُدمج في تخطيطها أولوية الاستدامة البيئية. تنظيم كأس العالم في بلد يعاني من جفاف متصاعد يتطلب أكثر من مجرد منشآت رياضية وملاعب فاخرة، بل يفرض رؤية شاملة تأخذ بعين الاعتبار التوازن بين الحلم الكروي وحقيقة الموارد المحدودة.
وتؤكد المصادر على ضرورة أن يضع المغرب نصب عينيه أن المونديال يجب أن يكون نموذجًا في الابتكار البيئي، لا مناسبة لهدر الماء في بلد لم يعد يملك رفاهية الهدر. فإذا لم يتم الانتباه لهذا الجانب، فقد يتحول حلم 2030 إلى كابوس بيئي قد لا يستفاق منه إلا بعد فوات الأوان.
وبين مياه تُبدد من أجل مباريات، ومواطنين ينتظرون قطرة ماء في صنبور جاف، يكمن جوهر السؤال” هل يملك المغرب الشجاعة ليقول لا للهدر، ونعم لمونديال مستدام؟”.







