مازالت قضايا التفويت المتعثر للأراضي المسترجعة من أيدي المستعمرين تثير المزيد من الجدل، لا سيما حين تتحول إلى بؤر توتر اجتماعي تستدعي تدخلا سياسيا وحقوقيا عاجلا. في هذا السياق، خرج فرع حزب النهج الديمقراطي العمالي بالمحمدية ببيان استنكاري عبّر فيه عن تضامنه مع عائلة أحد العمال الزراعيين، الذي كان يشتغل قيد حياته لدى أحد المعمرين الفرنسيين، ثم لاحقا لدى شركة “سوجيطا” المغربية، إلى أن وافته المنية سنة 1989.
البيان، الذي توصلت به “نيشان“، ندد بما وصفه بـ”الإقصاء الممنهج” الذي تتعرض له أسرة الراحل، رغم ما اعتبره الحزب “أحقيتها القانونية والتاريخية” في الاستفادة من عملية التفويت التي كانت مبرمجة في إطار الإصلاح الزراعي، بموجب الظهير رقم 1.72.277 وتعديلاته اللاحقة (رقم 06.01 و63.18).
وحمّل الحزب المسؤولية للجهات الإدارية المعنية بملف التفويت بإقليم بنسليمان، متهماً إياها بـ”التمادي في التلاعب والتمييز لفائدة جهات سياسية نافذة”، وذلك من خلال “استبعاد محضر المتابعة المعد من طرف لجنة الإصلاح الزراعي لسنة 2023″، في تجاهل تام لما تقتضيه القوانين ذات الصلة.
البيان أشار بشكل خاص إلى ما تتعرض له ابنة الراحل، من “ضغوط” هدفها – بحسب تعبير الحزب – ثنيها عن المطالبة بحق العائلة في الأرض موضوع النزاع. كما لم تقتصر الاتهامات على ملف واحد، بل وسّع الحزب دائرة تضامنه لتشمل عائلات أخرى، ممن قال إنهم يعانون من نفس “النهج الإقصائي”.
وفي لهجة لا تخلو من التصعيد، طالب الحزب وزارة الداخلية، ممثلة في عامل إقليم بنسليمان، بتحمل مسؤوليتها القانونية والأخلاقية، و”التدخل العاجل لوضع حد لكل مظاهر التضييق والاستفزاز”، وتمكين ذوي الحقوق من الانتفاع بأراضيهم دون قيد أو شرط، وفق تعبير البيان.
وتُعد الأراضي المسترجعة من المستعمرين من أكثر الملفات تعقيدا في المغرب المعاصر، إذ تعود جذور الإشكال إلى سنوات ما بعد الاستقلال حين عمدت الدولة إلى استرجاع مساحات شاسعة من الأراضي التي كانت تحت تصرف المعمرين الفرنسيين، لتفويتها لاحقًا إلى “ذوي الحقوق”، أي العمال الزراعيين الذين خدموا تلك الأراضي، إما لحساب الفرنسيين أو شركات فلاحية مغربية لاحقًا. غير أن هذا التفويت لم يكن دوما محكوما بالوضوح ولا بـ “الانصاف”، حيث ظلت العديد من العائلات عرضة للإقصاء أو التأخير، بسبب تعقيدات بيروقراطية، أو بفعل تدخلات سياسية ومحسوبية فاقمت الشعور بالحيف وسط الطبقات الفلاحية الهشة.
وقد عرفت مناطق مثل برشيد، وبنسليمان، وسطات، خلال العقود الأخيرة، نزاعات حادة بشأن هذا الملف، وخرجت فيها احتجاجات متكررة تطالب بـ”تصفية إرث الاستعمار بما يضمن الإنصاف التاريخي والعدالة الاجتماعية”. ورغم المجهودات التي بذلتها الدولة منذ صدور ظهير 1.72.277 المتعلق بالإصلاح الزراعي، فإن الصيغة التي تم بها تنزيل هذا المشروع الوطني ظلّت تُنتقد لغياب الشفافية وغياب تام للمواكبة القانونية والاجتماعية.







