في الوقت الذي يُعدّ فيه المغرب العدة لاستضافة تظاهرات رياضية عالمية كبرى مثل كأس إفريقيا للأمم 2025 وكأس العالم 2030، يظل قطاع النقل الحضري يعيش مفارقة صارخة بين ما يطمح إليه من حداثة وبُنى تحتية متطورة، وما هو واقع فعلي يسوده الارتجال والتأخر عن ركب التحولات التي تشهدها منظومات النقل في العالم، وعلى رأسها خدمات النقل عبر التطبيقات الذكية.
فمنذ ظهور أولى خدمات النقل بواسطة التطبيقات سنة 2015، لم يخرج هذا النشاط من دائرة “اللا قانوني”، رغم اتساع رقعة استعماله بين المواطنين، وتزايد عدد العاملين فيه، ووضوح حاجة السوق إليه. فالدولة المغربية، ممثلة في وزارتي الداخلية والنقل، تبعث برسائل متناقضة، فبينما تُجدد وزارة الداخلية التأكيد على أن هذه الخدمات غير مشروعة، ولا ترخيص لها، وتتوعّد المخالفين بالعقوبات، تعلن وزارة النقل أنها منفتحة على تقنين هذه التطبيقات، ولكن في إطار شروط تنظيمية وقانونية ما تزال غائبة حتى اليوم.
نزاع يخفي أزمة أعمق
المواجهات بين سائقي سيارات الأجرة التقليدية وسائقي التطبيقات، والتي وصلت حد المطاردة في الشوارع والسجن والاعتداءات الجسدية، ليست سوى قمة جبل الجليد. ففي العمق، تكشف هذه الاشتباكات عن أزمة بنيوية أعمق، مفادها أن “قطاع النقل الحضري” هش، يتخبط في إرث ثقيل من الفوضى، ونظام المأذونيات المترهل، ومركبات متهالكة لا تراعي كرامة الراكب، وغياب شبه تام لتقنيات العصر في الإدارة والتتبع والسلامة.
ومما يزيد المشهد تناقضاً، أن المغرب مقبل على استضافة ملايين المشجعين والسياح، وهو مطالب بتوفير وسائل نقل آمنة، فعالة، وسلسة، على غرار ما قدمته قطر مثلاً خلال تنظيم مونديال 2022 حين كانت خدمات النقل الذكية جزءاً من الاستراتيجية اللوجستية العامة وتم تخصيص 15 ألف سيارة تابعة لتطبيقي أوبر وكريم، وكذلك جنوب إفريقيا خلال كأس العالم 2010، التي طورت شبكة نقل هجينة تعتمد على التكنولوجيا.
واقع يفرض نفسه رغم المنع
الطلب المرتفع على خدمات النقل عبر التطبيقات لا يمكن تجاهله، كما أن ثقة المواطن فيها، رغم غياب الترخيص، تعكس انهيار ثقة شرائح واسعة في قطاع سيارات الأجرة. فهذه التطبيقات تُوفر تجربة أكثر وضوحاً، وسهولة في الدفع، وشفافية في التعرفة، وإمكانية تقييم السائق، ما يجعلها، رغم هشاشتها القانونية، البديل العملي والأقرب إلى معايير العصر.
وفي الوقت الذي تؤكد وزارة الداخلية أن هذه الخدمات تمارس بشكل “سري” ومخالف للقانون، تشير المعطيات إلى أن أكثر من 30 ألف شاب يشتغلون في هذا القطاع، بعضهم بفضل قروض بنكية لاقتناء سيارات، وآخرون يكتفون بكراء السيارات اليومية للعمل. وهذا في حد ذاته خلق فرص شغل مباشرة وغير مباشرة، في ظل بطالة تتجاوز عتبة 21%، خصوصاً في صفوف الشباب.
وفي اتصال هاتفي لـ”نيشان“، أفاد “عبد الصمد السرغيني”، الباحث في علم الاجتماع بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، أن الطفرة التي يعرفها مجال النقل عبر التطبيقات تعكس تحولات عميقة في مفهوم العمل الحضري، حيث أصبح الشباب المغربي يتجه أكثر نحو ما يسمى بـ”العمل المَرِن” كبديل للهشاشة التي يعرفها سوق الشغل التقليدي.
وأضاف “السرغيني” أن انتشار هذا النمط من التشغيل لا يمكن فصله عن الأزمة البنيوية التي يعيشها الاقتصاد الوطني، والتي تدفع آلاف الشباب سنوياً إلى البحث عن فرص سريعة وغير مهيكلة لتحقيق دخل يومي، حتى وإن كان ذلك خارج الأطر القانونية.
واعتبر أن غياب تقنين واضح لهذا النشاط يُكرّس نوعاً من “الفوضى المقنّعة”، ويخلق توتراً اجتماعياً بين فاعلين غير متكافئين، سواء من حيث الضمانات أو من حيث الانتماء لاقتصاد رسمي أو موازٍ.
وفيما يتعلق بتأثير هذا التوسع على النسيج الحضري والاجتماعي، شدد الخبير على أن استمرار الوضع كما هو عليه قد يؤدي إلى تصادمات مجتمعية أكبر، خاصة مع تنامي الرفض من طرف مهنيي النقل التقليدي، واستمرار صمت الجهات الرسمية.
هل تخشى “فئة صغيرة” من فقدان الريع؟
الموقف المتشدد من خدمات النقل الذكي لا يمكن عزله عن البنية الريعية التي تهيمن على قطاع سيارات الأجرة، حيث تستفيد فئة صغيرة من المأذونيات وريعها، وتُقاوم أي إصلاح قد يُقوّض امتيازاتها. فالتقنين يعني، حتماً، نهاية الريع، وإقرار المنافسة، وإدماج الآلاف من السائقين في منظومة قانونية شفافة، وهو ما لا يروق للوبيات تستفيد من الوضع الراهن.
كما أن رفض الاعتراف بالنقل عبر التطبيقات لا يبدو مقنعاً في سياق دولي يندفع أكثر نحو التحول الرقمي، ودمج التقنيات الذكية في الخدمات العامة. وحتى دول كالسعودية، التي عرفت بسياساتها المحافظة، شرّعت هذه الخدمات، ونظمتها بما يخدم كل الأطراف: المواطن، المستثمر، والدولة.
في هذا السياق اعتبر فاعل حقوقي، فضّل عدم ذكر اسمه، أن رفض الدولة إلى حدود الساعة تقنين النقل عبر التطبيقات لا يخرج عن “هاجس أمني محض”، قائلا إن “الدولة تنظر إلى هذا القطاع من زاوية الضبط والمراقبة أكثر من زاوية الحقوق والتنظيم”.
وأضاف أن استمرار هذا الفراغ القانوني يخدم أيضًا مصالح لوبيات اقتصادية تستفيد من وضع الريع المرتبط برخص النقل (الكريمات)، وهو ما يفسر، حسب تعبيره، “غياب الإرادة الحقيقية لدمج هذا النوع من النقل في منظومة قانونية شفافة وعادلة تضمن الحماية للعاملين والمستعملين على حد سواء”.
واعتبر أن “تحصين الحق في العمل وضمان الأمان لمستعملي هذه الوسائط لا يمكن أن يتحقق في ظل سياسة التماطل الحالية التي تُبقي القطاع في المنطقة الرمادية، وتتركه عرضة للانفلاتات والمآسي”.
فرصة للإصلاح بدل الإنكار
ما يحتاجه المغرب اليوم ليس تأجيج النزاع بين سائقي الطاكسيات وسائقي التطبيقات، بل فتح نقاش وطني مسؤول يضع مصلحة المواطن والمصلحة الاقتصادية فوق الحسابات الفئوية. تقنين القطاع لن يُنهي سيارات الأجرة، بل سيدفعها إلى تحسين خدماتها والدخول في شراكات مع التطبيقات. وسيفتح أيضا أبوابا للاستثمار وخلق الثروة والوظائف، مع تخفيف العبء عن شبكات النقل العمومي التي تعاني أصلاً من قلة الجودة والضغط.
كما أن استمرار منع هذه التطبيقات يضع المغرب في موقف محرج أمام الزوار والسياح، خاصة في تظاهرات دولية، حيث سيصطدم هؤلاء باختلالات نقل يصعب تفسيرها في بلد يسعى لتقديم نفسه كنموذج أفريقي صاعد.
نحو منظومة نقل عادلة وذكية
المصادر تؤكد أن المغرب أمام لحظة حاسمة تتطلب تجاوز الحسابات الضيقة والقطع مع الريع والانفتاح على المستقبل. تنظيم النقل عبر التطبيقات، بقانون واضح وشفاف، يضمن السلامة وجودة الخدمة وحقوق العاملين، هو الخطوة التي تأخرت كثيراً. فالتقنيات لن تتراجع، والعالم يتطور، وما ترفضه الدولة اليوم بشكل غير معلن، ستجبر على تقبّله غداً، لكن بتكلفة اجتماعية واقتصادية وسياسية أعلى.







