في الوقت الذي تسارع فيه وزارة الصحة والحماية الاجتماعية إلى إنهاء الصياغة النهائية لمشروع مرسوم جديد يروم إعادة ضبط أسعار الأدوية بالمغرب، دخلت الجامعة الوطنية لجمعيات المستهلك على خط الجدل المتصاعد، معلنة رفضها لما اعتبرته “ابتزازاً نقابياً” يمارس باسم حماية المهنة، ومشددة على أن الحق في الولوج إلى الدواء لم يعد يحتمل التأجيل أو المساومة.
هذا الموقف، الذي عبّرت عنه الجامعة في بلاغ رسمي اطلعت عليه “نيشان”، يأتي في خضم انقسام غير مسبوق داخل الجسم النقابي للصيادلة، بين تيار رافض للصيغة الحكومية الحالية للمرسوم بدعوى المساس بـ”التوازنات الاقتصادية لصيدليات القرب”، وتيار آخر يرى أن تخفيض أثمنة الأدوية لا يتعارض مع مصالح المهنيين، بل يدخل ضمن إصلاح أوسع للمنظومة الصحية يهم المواطنين والصيادلة معاً.
وأكدت الجامعة، التي تمثل شبكة واسعة من جمعيات حماية المستهلك، أن التلويح بالإضراب في هذا السياق لا يمكن فهمه إلا كمحاولة لتعطيل مشروع إصلاحي طال انتظاره، معتبرة أن كل إصلاح يمس سوق الأدوية يثير على الدوام “مقاومة منظمة من طرف لوبيات تسعى إلى الإبقاء على الوضع القائم”. ودعت الجامعة الحكومة إلى عدم الرضوخ لهذه الضغوط، والإسراع في تفعيل الآليات القانونية لمراقبة الأسعار وضمان الشفافية في سلاسل التوزيع.
من جهة أخرى، شدد البلاغ ذاته على ضرورة تدخل مجلس المنافسة والهيئات الرقابية المختصة لفتح تحقيق معمق حول شبهات الاحتكار وتنسيق الأسعار داخل سوق الدواء الوطني، الذي طالما وُصف بكونه من بين أكثر الأسواق حساسية وتأثراً بالمصالح المتقاطعة للفاعلين فيه. ولفتت الجامعة إلى أن المواطن المغربي، الذي يتحمل كلفة علاج متزايدة، لم يعد قادراً على استيعاب المزيد من التأخير في تنزيل قرارات إصلاحية تمس حياته اليومية.
وتأتي هذه التطورات في وقت كشفت فيه مصادر مهنية متطابقة أن وزارة الصحة عقدت عدة لقاءات مع ممثلي نقابات الصيادلة والموزعين والمصنعين، خلصت إلى توافق جزئي حول عدد من النقاط، أبرزها الإبقاء على هامش ربح الصيدليات دون تغيير، مقابل مراجعة أسعار أدوية الأمراض المزمنة، وتحديد سقف لعدد الأدوية الجنيسة المتداولة لكل صنف دوائي أصلي، مع تفعيل مراجعة دورية كل ثلاث سنوات بدلاً من خمس.
رغم ذلك، أعلنت كونفدرالية نقابات صيادلة المغرب، في بلاغ سابق، رفضها التام للصيغة المقترحة من طرف الوزارة، معتبرة أن المقاربة المعتمدة “أحادية وغير تشاركية”، وقد تؤدي إلى اختلالات في سوق الدواء، وتهديد مباشر للأمن الدوائي الوطني. وذهبت الكونفدرالية إلى التلويح بإضراب وطني، لم يُحدد تاريخه بعد، احتجاجاً على ما وصفته بـ”تغييب مطالب المهنيين في مشروع مفصلي كهذا”.
في المقابل، أبدت النقابة الوطنية لصيادلة المغرب موقفاً مغايراً، معتبرة أن المشروع يدخل في إطار إصلاحات هيكلية تعرفها المنظومة الصحية، وأن التخوف من المساس بأرباح الصيدليات غير مبرر في ظل الضمانات التي قدمتها الوزارة، وعلى رأسها الالتزام بعدم المساس بهوامش الربح.
الجدير بالذكر أن مشروع المرسوم الجديد الذي تشتغل عليه وزارة الصحة يُعد ثاني مراجعة واسعة لسوق الأدوية منذ مرسوم 2013، الذي قوبل بدوره حينها بانتقادات واسعة من مهنيين ومواطنين على حد سواء. ويرتقب أن يشمل المرسوم تعديلات على نسب الربح الخاصة بالمصنعين، إلى جانب مراجعة أسعار الأدوية ذات الكلفة المرتفعة، في محاولة لإعادة التوازن إلى منظومة تشهد، منذ سنوات، توتراً مستمراً بين الفاعلين الاقتصاديين ومطالب المستهلكين.







