في تقريرها السنوي الذي رُفع إلى الملك محمد السادس، أعادت مؤسسة وسيط المملكة فتح جرح العلاقة الملتبسة بين المواطن المغربي وإدارته. التقرير، الذي اطلعت عليه “نيشان”، لم يكتف بجرد تظلمات ولا بتلخيص أرقام، بل كشف بجرأة مهنية عن أعطاب مزمنة في مسار الوساطة الإدارية، ووضع الدولة أمام مرآة ترفض أن تهادن أو تجمّل.
6626 ملفاً توصلت بها المؤسسة خلال سنة واحدة، منها أكثر من 5700 تظلم، رقم كفيل وحده بأن يُقلق القائمين على الشأن العام. لكن ما يقلق أكثر، هو أن نسبة كبيرة من هذه الملفات تعود لمواضيع متكررة، قرارات إدارية مجحفة، ملفات تنفيذ الأحكام القضائية العالقة، تظلمات مالية عقارية وإدارية، وسلوك بيروقراطي متجذر يقاوم الإصلاح كما يُقاوم التغيير.
الدكتور عبد السلام بلغيت، الأستاذ الباحث في القانون الإداري بكلية الحقوق في فاس، يرى في اتصال مع “نيشان” أن “الأرقام تكشف شيئين متلازمين، أولا، أن المواطنين بدأوا يرون في مؤسسة الوسيط فضاءً جدياً لحماية حقوقهم، وهذا تطور إيجابي في حد ذاته. لكن ثانياً، وهو الأهم، أن تراكم التظلمات سنة بعد سنة يؤكد أن الإدارات العمومية لا تتفاعل بما يكفي، وأن ثمة أزمة عميقة في تنفيذ توصيات المؤسسة”.
الوسيط، في تقريره، بدا أكثر وضوحاً من أي وقت مضى. الإدارات تتلكأ، بعض القرارات القضائية لا تُنفذ، والمواطن يلجأ إلى المؤسسة ليس لأنه يؤمن دوماً بفعاليتها، بل لأنه لا يجد سبيلاً آخر. في حالات كثيرة، تُضطر المؤسسة إلى التذكير بمبدأ سيادة القانون وكأنها تُخاطب مسؤولاً لم يقرأ الدستور.
وفي تفاعلها مع التقرير، تقول سلمى أكرام، باحثة في السياسات العمومية، إن “المثير ليس فقط ما جاء في التقرير، بل كيف قُدّم. فالمؤسسة لم تكتف بالمعطيات الرقمية، بل حاولت بناء تحليل سوسيولوجي للمرفق العمومي، ووضعت يدها على طبيعة العلاقة المتوترة بين الدولة والفرد، خاصة حين يصبح الإنصاف الإداري معركة في حد ذاته”.
وتضيف “حين نقرأ أن 75 في المئة من طالبي الوساطة هم رجال، وأن النساء لا يمثلن سوى ربع المشتكين، فذلك لا يعني أن النساء لا يتعرضن للحيف الإداري، بل ببساطة لا يملكن بعد أدوات المطالبة بإنصافهن، سواء بسبب العوائق الثقافية أو ضعف التمكين القانوني، أو حتى خوفهن من الاصطدام مع سلطة لا ترحم”.
التقرير تطرّق أيضاً، وبلهجة واضحة، إلى قضية عدم تنفيذ الأحكام القضائية. وهي نقطة سوداء في جدار الدولة الحديثة. لأن رفض الإدارة الانصياع لقرارات المحاكم ينسف كل أركان الثقة في المؤسسات. المؤسسة لا تُجمل عباراتها: “الإدارة التي ترفض تنفيذ حكم نهائي بات، تفقد مشروعيتها الأخلاقية”، تقول.
وتعليقا على ذلك يقول “عبد السلام بلغيت”، أن “هذا الجانب بالتحديد خطير للغاية، لأن المواطن حين يلجأ إلى القضاء، ويستنزف سنوات في التقاضي، ثم يُصدم بأن الحكم الذي ناله لا يُنفذ، فذلك يُفقده ليس فقط ثقته في الإدارة، بل في الدولة برمتها”.
وأضاف “توجد اليوم حاجة إلى إحداث وحدة خاصة داخل رئاسة الحكومة أو وزارة الداخلية، تتولى متابعة تنفيذ أحكام المحاكم ضد الإدارات. لأن التوصيات وحدها لا تكفي. نحن أمام سلوك مقاوم للعدالة وليس فقط إهمالاً إداريّاً”.
أما ما اعتبره التقرير منجزاً إيجابياً فهو تزايد طلبات التوجيه والإرشاد القانوني، حيث لم يعد المواطن يطرق باب الوسيط فقط لتقديم شكاية، بل للاستفسار أيضاً عن الإجراءات والمساطر. وهو تطور يُظهر ارتفاع منسوب الثقة، لكنه يكشف أيضاً عن ارتباك حقيقي في مسالك العدالة الإدارية، ما يجعل المواطن في حاجة إلى “بوصلة قانونية” وسط متاهة المؤسسات.
التقرير، في نهاية المطاف، ليس وثيقة أرشيف، بل صرخة مؤسساتية في وجه بيروقراطية متصلبة، ونظام إداري يبدو أحياناً وكأنه صُمم لخلق العراقيل لا لحلها. المؤسسة تُقرّ بدورها كوسيط، لكنها ترفض أن تكون مجرد صندوق بريد بين المواطن والإدارة. ولذلك تطالب بإعادة تعريف موقعها ضمن الهندسة المؤسساتية، بما يمنحها سلطة إلزام حقيقية، لا مجرد صلاحية التوصية.
ومع كل هذا، يبقى السؤال معلقاً.. من ينصف المواطن حين لا تنصفه الدولة؟
ربما، في ظل واقع كهذا، لا يكفي تقرير سنوي… بل نحتاج إلى زلزال إداري يعيد ترتيب العلاقة برمتها.







