واضحٌ أن عامل الشاون فهم بشكلٍ أعوج الجدية التي دعا إليها الملك، بعد أن جرّ وراءه أسطولًا ضخمًا من السيارات الفارهة، وبصحبته قبيلة من كبار المسؤولين الذين قطعوا طريقًا مليئًا بالحفر والمطبات لزيارة جماعة فقيرة.
حدث هذا دون أن ينسى رجال السلطة حشد مواطني الجماعة الفقراء تحت شمسٍ حارقة، دون مراعاة لسنهم أو حالتهم الصحية، من أجل السلام على “السي العامل” وتقبيل يده، قبل أن يُنعَتوا، دون حياء، بالحمق، بعد موجة غضب أعقبت الواقعة.
العامل، طبعًا، استنفر معه الأمن والدرك لتأمين موكبه الذي استهلك كميات كبيرة من البنزين، فقط من أجل الاستماع إلى شرح عابر حول مشروع بسيط بجماعة تاسيفت، التي أُجبر عدد من فقرائها على الحضور لاستقباله، في “بهرجة” مستفزة ومهينة للكرامة، تحوّلت إلى فرجة سلطوية انقلبت عليه، وجعلت ديوانه يلفق تهمة الخلل النفسي لمواطن فقير، بعد أن قبّل يد العامل .
ولأن العجلة من الشيطان، فإن التبرير لم يُفلح في احتواء السخط الذي سببه الفيديو، والذي كشف أن العقليات القديمة انتصرت على “المفهوم الجديد للسلطة” الذي تم التبشير به، ليتحول لمجرد وصلة إشهارية.
كان الأجدر بالعامل أن يخرج دون استعراض أو بهرجة أو بروتوكول، ليعاين كيف تغرق جماعات الإقليم في الفقر والتهميش، بعد أن توقفت فيها عجلة الزمن منذ الثمانينيات، وفُرضت عليها الإقامة الإجبارية ضمن خارطة “المغرب غير النافع”.
السي العامل ومن معه، عليه أن يخرج من شفشاون ورفاهية المكاتب المكيفة، ليواجه الوجه القبيح لهوامش الإقليم، الذي يسجل أعلى نسب الانتحار على الصعيد الوطني… وإذا ظهر السبب بطل العجب.
كما عليه أن يعاين كيف يعيش الناس في جماعات مدفونة في الفقر، ومحاصرة بالتهميش، في سفوح الجبال، بعد أن تكالب عليهم رهط من المنتخبين والمسؤولين الفاسدين.
والواقع أن ما قام به عامل شفشاون يُؤكّد، من جديد، استعجالية إجراء حركة في صفوف الولاة والعمال.
والقائمة هنا تتّسع لأسماء كثيرة بات لزامًا عليها الرحيل، وعلى رأسها عامل شفشاون، الذي لم نرَ له بصمة لا على المدينة، ولا على الإقليم.
ومن الواضح أن عامل الإقليم فهم بالمقلوب كلام وزير الداخلية، الذي قال إن “هيبة الدولة ترتبط بهيبة ممثليها، لأن رجل السلطة يمثل الحلقة الأقرب للمواطن، وبالتالي يتعين عليه الإسهاب في فرض احترام القانون، والابتعاد عن كل الممارسات التي تمس بمصداقيته، لتعزيز هيبة الدولة وزرع الثقة في مؤسساتها”.
من لا يراعي كرامة المواطنين البسطاء لا مكان له ضمن القائمة، لأن ما وقع يتجاوز مسألة تقبيل اليد إلى نعت المغاربة بـ”الحمق”، فقط لإنقاذ السي العامل من الانتقادات التي لاحقته، وجعلت زيارته الاستعراضية نكسةً جلبت عليه غضب شريحة واسعة من المواطنين.
لا تجعلوا الناس يكفرون بوطنهم في هذا الزمن الصعب.
مهمة المسؤولين، وخاصة الولاة والعمال، الذين يظلون في معادلة غير مفهومة خارج دائرة المساءلة رغم تدبيرهم لمئات الملايير، هي إيجاد الحلول، لا صناعة الأزمات وتأجيج الغضب الذي يختلج في الصدور، عبر ممارسات استعراضية وسلطوية.
المثل يقول: “قليل من الغباء يكفي لصنع أكبر الأزمات”.







