بدأت تفاصيل العملية الأمنية التي أفضت إلى تفكيك شبكة متخصصة في إنتاج وترويج محتويات إباحية داخل شقة بمدينة القنيطرة تتضح، بعد أن حصلت “نيشان” على معطيات حصرية تكشف الكواليس الدقيقة لهذا التدخل الذي استغرق أسابيع من التتبع والرصد والتحليل، وسط حرص المتورطين على إخفاء هوياتهم ومعالم نشاطهم باستخدام أقنعة وأسماء مستعارة وأساليب تمويه متطورة.
وأوضحت مصادر أمنية أن الفرق المختصة التابعة للمديرية العامة للأمن الوطني باشرت، في سرية تامة، تحريات تقنية معقدة فور رصد تداول مقاطع فيديو إباحية على مواقع أجنبية، يُشتبه في أنها صُوّرت داخل التراب المغربي. وعلى الرغم من أن الفيديوهات لم تُظهر بشكل مباشر ملامح الوجوه أو مؤشرات جغرافية واضحة، إلا أن المحللين الرقميين نجحوا في التقاط إشارات خفية، من بينها خلفيات مألوفة، وأصوات الأجهزة، وحتى شكل الأثاث وألوان الجدران.
واعتمدت الفرق الأمنية على تحليل البيانات التقنية المصاحبة للمقاطع (الميتاداتا)، التي كشفت خيوطاً رقمية مرتبطة بموقع التحميل، توقيتات النشر، وأسماء المستخدمين المستعملة في رفع المحتويات. كما جرى تفكيك بنية الملفات بحثاً عن أنماط تكررت بشكل دال، خاصة في الصيغ والعناوين التي كانت تتضمن إشارات مشفرة إلى مدينة القنيطرة.
لكن الضربة الحاسمة جاءت من مسار مواز للتحقيق المالي. فبالتوازي مع الرصد الرقمي، تم تتبع تحويلات مالية قادمة من منصات إباحية تعتمد على نظام المشاركة في الأرباح مقابل المشاهدات. ورغم أن التحويلات كانت بمبالغ متوسطة القيمة وغير منتظمة، إلا أن تكرارها ووجهاتها البنكية مكّن من تحديد عدد من الحسابات التي تبين لاحقاً أنها تعود لأشخاص يقيمون فعلياً بالقنيطرة، بينهم المشتبه فيه الرئيسي.
ومع توالي عمليات التحليل، تقاطعت المعطيات التقنية مع تلك المالية والميدانية، ما أفضى إلى تضييق دائرة الشبهة حول شقة بعينها، تقع في حي سكني وسط المدينة. وبعد ترصد سري لتحركات من يرتادونها، وتوثيق عدد من المؤشرات الدالة، نفذت العناصر الأمنية مداهمة دقيقة أسفرت عن توقيف ثلاثة أشخاص، ضمنهم شاب في منتصف الثلاثينات يُشتبه في كونه منسق الشبكة، وفتاتان ظهرتا في عدد من المقاطع المنتشرة.
وقد تم خلال تفتيش الشقة حجز معدات تصوير ووسائل إضاءة وألبسة تنكرية وأقنعة وهواتف ذكية، بالإضافة إلى أقراص ودعامات تخزين رقمية تحتوي على عدد كبير من المقاطع المصورة، بعضها لا يزال في طور الإعداد أو لم يُنشر بعد. التحقيقات الأولية أكدت أن الشبكة كانت تنشط بشكل منظم منذ مدة، وتستثمر في تحسين جودة المحتوى لتوسيع قاعدة المتابعين وتحقيق عائدات أكبر.
ووفق ما أكدته مصادر “نيشان”، فإن الشبكة كانت تعتمد على آليات متقدمة في التمويه الرقمي، من بينها استخدام بروكسيات دولية لإخفاء الموقع الجغرافي، واعتماد حسابات مشفرة وأسماء افتراضية، فضلاً عن حجب الأصوات وتغييرها برمجياً، لتفادي أي إمكانية للتعقب أو التعرف على الهويات.
وفي سياق متصل، كشفت مصادر أمنية أن مصالح الشرطة القضائية لازالت، بتعليمات من النيابة العامة، تباشر تحقيقات موسعة في مئات الفيديوهات المنتشرة على الإنترنت، سواء عبر منصات إباحية شهيرة أو تطبيقات المحادثة بالفيديو مثل “كام سكي” و “تناجو”، يشتبه في أن بعضها صُوّر داخل التراب المغربي ويُستغل لأغراض تجارية أو حتى للابتزاز.
ويُشار إلى أن القانون الجنائي المغربي يُجرم إنتاج أو توزيع أو عرض محتويات إباحية، خصوصاً إذا كانت بغرض تحقيق الربح، أو تم ارتكابها في إطار شبكة منظمة. وتُشدَّد العقوبات إذا ثبت استغلال القاصرين أو هشاشة الضحايا، أو في حال المساس العلني بالأخلاق والآداب العامة، وهو ما ينطبق على جزء مهم من المواد الجاري التحقيق بشأنها حالياً.







