في خضم الارتفاع الصاروخي الذي عرفته أسعار لحوم الدجاج في السوق المغربية مع بداية الصيف، وفي ظل موجة غضب شعبي قابلها صمت رسمي مطبق، طُرحت العديد من علامات الاستفهام بشأن الأسباب الحقيقية خلف هذا الغلاء، وهل يتعلق الأمر بظرفية مناخية واقتصادية طارئة، أم بفشل بنيوي في ضبط السوق وتنظيم سلاسل الإنتاج والتوزيع.
الجدل احتدم مع توالي تصريحات تميل إلى تحميل العوامل المناخية وارتفاع الطلب الموسمي كامل المسؤولية، وهو ما أثار شكوكاً حول مدى صدقية هذه التبريرات، في غياب معطيات دقيقة حول العرض والطلب، ووسط تساؤلات متزايدة حول دور الفاعلين الكبار في القطاع، والجهات التي تتحكم فعلاً في الأسعار النهائية.
في هذا السياق، فتح موقع “نيشان” ملف هذه الأزمة، ووجه حزمة من الأسئلة إلى يوسف العلوي، رئيس الفيدرالية البيمهنية لقطاع الدواجن بالمغرب، في محاولة لفهم ما يجري داخل هذا القطاع الحساس، وكشف حقيقة ما إذا كانت الأسباب بنيوية أم ظرفية، مفتعلة أم خارجة عن السيطرة.
فيما يلي نص الحوار كاملاً:
نيشان: هل التقلبات المناخية المفترضة كانت مفاجئة إلى درجة أربكت سلاسل التوريد؟ أم أن موجات الحرارة صارت نمطًا متكرّرًا في السنوات الأخيرة؟ ولماذا لم تُتّخذ إجراءات وقائية مسبقة للتكيّف مع هذا المعطى المناخي المتكرر؟
لا يمكن إنكار أن موجات الحرارة باتت متكررة في السنوات الأخيرة، لكن حدّتها هذا الموسم كانت غير مسبوقة، وفاقت التوقعات، مما أثّر بشكل مباشر على نسب النفوق ومردودية الإنتاج، خاصة لدى صغار المربين.
ورغم محاولات التكيّف، عبر تجهيز العديد من الضيعات بوسائل التبريد، فإن هامش التدخل الوقائي يبقى محدودا أمام ظروف مناخية مفاجئة تتجاوز قدرة البنيات التحتية الحالية.
وتأثير الحرارة على القطاع لا ينحصر في نفوق الدواجن بالضيعات غير المجهزة أو ذات تجهيزات ضعيفة فقط، بل يتسبب في تأخر نمو القطيع، وهذا يؤثر بشكل ملحوظ على العرض، مما ينتج عنه ارتفاعا في الأسعار.
نيشان: ألم يكن من المتوقع، بل من البديهي، أن يشهد فصل الصيف ارتفاعًا في الطلب بسبب الأعراس ومغاربة الخارج والعطل؟ لماذا إذن لم يُرفع من حجم الإنتاج استباقًا لهذا الارتفاع؟
صحيح أن الصيف يشهد تقليديًا ارتفاعًا في الطلب، لكن تراكم الخسائر خلال الشهور الماضية دفع العديد من المربين إلى تقليص الإنتاج أو تعليق النشاط، خاصة في ظل غياب آليات دعم كافية، وهذا ما نبهنا إليه في مناسبات عديدة.
ما حدث ليس غيابًا عن التوقع، بل عجزًا عن مجاراته ماليًا ولوجستيًا. فالرفع من حجم الاستثمار في القطاع لا يبنى على ظرفية استثنائية كالتي عشناها هذه السنة، بفعل الإقبال المكثف على اللحوم البيضاء بسبب النقص والغلاء الذين عرفتهما اللحوم الحمراء، ورغم ذلك، فالإنتاج عرف نموا ملحوظا خلال السنوات الأخيرة، والأرقام التي صرحنا بها لوزارة الفلاحة ولوسائل الإعلام تؤكدها. لكن رغم هذا كله، فتقلبات الأسعار لا تعني نقصا في الإنتاج، بل هي نتاج ما ذكرناه سالفا، وتبقى ظرفية ومنحصر في مواسم بعينها والتي تعرف طلباً متزايدا على لحوم الدواجن.
نيشان: إذا كانت كلفة الأعلاف والطاقة مرتفعة منذ شهور، فلماذا لم نشهد هذا “الارتفاع الصاروخي” قبل يوليوز؟ لماذا لم تتحرك الأسعار بشكل تدريجي بل انفجاري؟
الارتفاع لم يكن اعتباطيًا، بل تراكميًا. ومع بداية يوليوز، تزامنت ذروة الحرارة مع ذروة الطلب، في ظل انخفاض الإنتاج لأسباب ذكرناه سابقا.
هذا التقاطع المفاجئ هو ما جعل الأسعار تتحرك بشكل سريع، وليس بسبب تغيّر مفاجئ في كلفة الإنتاج التي كانت مرتفعة أصلًا.
لا ننكر أن ارتفاع كلفة الأعلاف والطاقة لها تأثير سلبي على مردودية المنتجين، لكن، ليس لها أي تأثير على أسعار البيع التي يتحكم فيها عنصران فقط، وهما العرض الطلب. والدليل على ذلك ما سجلناه من خسائر فادحة لدى المربين بسبب أسعار البيع التي كانت أقل بكثير من تكلفة الإنتاج في أشهر عديدة ماضية.
نيشان: ما الذي يفسر التفاوت الكبير في أسعار الدجاج بين نقط بيع مختلفة؟ هل هناك رقابة فعلية على سلاسل التوزيع؟ ومن يتحكم فعلاً في الأسعار بين المنتج والمستهلك؟
سوق الدواجن بالمغرب ليست منظمة بالكامل، بل تمر عبر حلقات مختلفة، بدءًا من الإنتاج، مرورًا بالتسويق، وانتهاءً بالتقسيط، دون أن نغفل دور الوسطاء.
وليس هناك جهة لها القدرة أو الوسائل للتحكم في الأسعار، لا الفيدرالية كتنظيم بيمهني، ولا المنتجون كأفراد. كما أن الرقابة على مستوى البيع بالتقسيط غير موجودة في ظل قانون حرية الأسعار والمنافسة التي اعتمده المغرب منذ سنة 2014، مما يفسر الفوارق الكبيرة بين نقط البيع.
نيشان: أليس من حق المستهلك أن يشتبه في وجود تنسيق ضمني أو صريح بين كبار المربين لخلق ندرة مفتعلة مؤقتة تُفضي إلى ارتفاع الأسعار؟ وهل لديكم معطيات دقيقة وشفافة حول مخزون الإنتاج ونسبة النفوق؟
نرفض بشكل قاطع أي شبهة تواطؤ أو تنسيق لخلق ندرة مصطنعة. فالإنتاج الوطني من الدواجن في نمو مستمر، وإحصائيات إنتاج الكتاكيت وتوزيعها تظهر ارتفاعا ملموسا كل شهر، وهي مؤكدة ومستخلصة من المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية (ONSSA). كما لدينا معطيات دقيقة حول نسب النفوق ومستويات العرض، وهي رهن إشارتكم للاطلاع عليها. أظن أن هذه المعطيات الرسمية تدحض كل ادعاء بالتواطؤ.
نيشان: ما الذي يبرر استمرار غياب سياسة تخزين استراتيجي أو آلية دعم للمربين الصغار في الفترات الحرجة، بدل ترك السوق رهينة التذبذبات؟
نحن، كتنظيم بيمهني ممثل للقطاع، نطالب منذ سنوات بإرساء آلية دعم موجهة للمربين الصغار، خاصة خلال الأزمات، لكننا لا نملك صلاحية فرض ذلك، بل نكتفي بالدعوة إليه.
وفي اعتقادنا أن قطاع الدواجن لا يحتاج إلى سياسة تخزين استراتيجي، بل إلى تنظيم حقيقي لقنوات التسويق، وهي كفيلة بحل هذه الإشكالية. ونحن نشتغل في هذا الاتجاه منذ سنوات، ووضعنا برنامجين أساسيين لتحقيق هذا الهدف.
نيشان: إذا كان المربون يشتكون من خسائر دائمة، كما تقول، فلماذا يستمرون في النشاط؟ وهل من الشفافية أن تقدموا أرقامًا عن كلفة الإنتاج دون تمكين المستهلك من التدقيق فيها؟
ليس هناك خسائر دائمة ولا أرباحاً دائمة، بل هناك دائما أمل في تحسن الأوضاع، وهو المحفز للاستمرار.
والاستمرار في الإنتاج رغم الخسائر نابع من الالتزام المهني والأمل في تحسن الأوضاع، وليس لأن المربين يجنون أرباحًا. ثم إن التزام المربين تجاه ممونيهم بالأعلاف والكتاكيت يجعلهم مجبرين على الاستمرار في نشاطهم كيفما كانت الظروف، أملا في انفراج الوضع وتسديد الديون.
الفيدرالية سبق أن قدّمت تقديرات واضحة لتكلفة الإنتاج، لكن نشر الأرقام المفصلة يتطلب إطارًا رسميًا وتدقيقًا مشتركًا مع الجهات الرقابية. ورغم ذلك، فإننا نكشف عن كل المعطيات المرتبطة بهذا الشأن، سواء عبر خرجاتنا الإعلامية أو من خلال تواصلنا الدائم مع الإطارات المعنية بحماية المستهلك.
نيشان: هل تم إشعار السلطات المعنية مسبقًا بهذا الانخفاض في العرض؟ وهل اتخذت الفيدرالية أي إجراء تنظيمي لتفادي هذا الارتفاع المفاجئ للأسعار؟
المصالح المختصة ليست في حاجة إلى إشعارها، بل هي تقوم بالدور المنوط بها سواء بالمراقبة أو التتبع. وتعلمون أن ضيعات تربية الدواجن معتمدة من قبل المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية (ONSSA)، وهو مطلع بكل التفاصيل الصغيرة والكبيرة عن القطاع عبر مصالحه المركزية والجهوية، كما أنها – الضيعات – مرتبطة بعقود التأطير الصحي مع أطباء بياطرة الذين يرفعون تقاريرهم للمصالح المختصة بخصوص النفوق والأمراض…. وبدورنا نصدر منشورا دوريا كل شهر، نوضح فيه وبالأرقام كل شيء عن الإنتاج والتوزيع (عبر الجهات والمدن) والأسعار والمقارنات…، كما ننظم، كفيدرالية أو كجمعيات منضوية تحت لوائها، لقاءات مع المهنيين لتحسيسهم بوضعية القطاع والتوقعات المستقبلية واقتراح إجراءات عملية، لكن يبقى عدم اكتمال تنظيم القطاع في شقه التسويقي يحول دون احتواء الأزمة في الوقت المناسب.
نيشان: كيف ترد على من يعتبر أن ما يجري ليس ظرفية بل انعكاس لفشل بنيوي في ضبط السوق وتوزيع الإنتاج والتحكم في الحلقات الوسيطة؟
الأزمة الحالية تعكس بالفعل اختلالات هيكلية في القطاع وخصوصا سلسلة التوزيع، وهو أمر نُنبّه إليه منذ سنوات.
الفيدرالية كانت من أبرز المطالبين بـإعادة هيكلة السوق وتنظيم القنوات الوسيطة، لكن نجاح ذلك يتطلب تنسيقًا وثيقًا بين الإدارة، المهنيين والمستهلكين.
نيشان: هل من خطة واضحة لتجنب تكرار هذا السيناريو في عيد المولد أو نهاية السنة، أم أن المستهلك سيبقى تحت رحمة موجات الغلاء الموسمية؟
كما ذكرت سالفا، نحن نشتغل حاليًا على برنامجين أساسيين لتنظيم قنوات تسويق الدواجن، ويتعلق الأمر بتفعيل المذكرة الوزارية المشتركة بين وزارتي الداخلية والفلاحة الصادرة في ماي سنة 2019، والمتعلقة بتأهيل وحدات القرب لذبح الدواجن، وبرنامج تشجيع ومواكبة حاملي مشاريع إحداث مجازر عصرية للدواجن معتمدة وذات طاقة إنتاجية منخفضة، الذي أطلقناه في نونبر سنة 2021. ولنا يقين أن بتنظيم قنوات التسويق سنحل الكثير من المشاكل المتعلقة سواء بالسلامة الصحية أو بالأسعار.
ولا ننسى أن لنا أهدافاً مسطرة ضمن عقد البرنامج 2023-2030 الموقع بين الفيدرالية والحكومة، وعلى رأسها تحقيق نسبة 90% من الدواجن التي تسوق عبر المجازر المعتمدة، وكذا الرفع من معدل الاستهلاك الفردي، بمعنى آخر الرفع من الإنتاج الوطني من الدواجن. بهذا سنتمكن من تجنّب سيناريوهات الغلاء الموسمي، ولم لا استقرار الأسعار بما يتناسب والقدرة الشرائية للمستهلك مع الحفاظ على مصالح المربي.







