انتهت الدورة الاستثنائية الأخيرة لمجلس جماعة أصيلة، على وقع انقسام حاد داخل الأغلبية المسيرة، وسط أجواء من التوتر والاحتقان السياسي، بعد أن قرر رئيس المجلس طارق غيلان الاستعانة بمفوض قضائي لحضور الجلسة، في خطوة أثارت غضب عدد من المستشارين، واعتُبرت من طرفهم تهديدًا صريحًا لحرية النقاش، ومؤشرًا على تصدع غير مسبوق في العلاقة بين مكونات المجلس.
وبحسب مصادر حضرت أشغال الدورة، فإن المفوض القضائي حضر بطلب من الرئيس لتوثيق ما قد يصدر من “عبارات سب أو قذف” داخل الجلسة، الأمر الذي واجهه عدد من المستشارين بامتعاض شديد، واعتبروه استفزازًا مباشرا يضرب في العمق الثقة المتبادلة، ويكرّس أجواء الريبة داخل مؤسسة يُفترض أن تُدار بروح تشاركية وتوافق سياسي.
هذا التوتر تعزز أكثر بعد طرح موضوع إعادة توظيف مسؤول جماعي سابق، واقتناء سيارة جديدة لفائدته وتجهيز مكتب خاص له، ما دفع عدداً من الأعضاء إلى انتقاد ما سموه “هدراً للمال العام”، خاصة في ظل الوضعية المالية المقلقة للجماعة، وهو ما ساهم في تأجيج الجلسة وتوسيع هوة الخلاف بين رئاسة المجلس وأطراف من داخل الأغلبية.
وتمخض عن هذه الأجواء المشحونة رفض النقاط الثلاث الأولى المدرجة في جدول أعمال الدورة، مما أدى إلى رفع الجلسة وتأجيلها إلى موعد لاحق دون التوصل لأي توافق، وسط تساؤلات جدية حول مستقبل التحالف الذي يقوده حزب الأصالة والمعاصرة داخل المجلس، ومدى قدرة الرئيس على احتواء الخلافات الداخلية المتصاعدة.
الشرخ داخل الأغلبية بلغ مداه حين تدخل النائب الثاني للرئيس، أحمد الجعيدي، بكلمة وُصفت بـ”الصادمة”، كشف فيها عن حالة من الإقصاء داخل الفريق المسير، مستعرضًا واقعة اجتماع رسمي بمدينة الرباط قيل له خلاله إن الحضور يقتصر فقط على نواب “البام”، دون إشراك حلفاء من الاتحاد الدستوري أو الاتحاد الاشتراكي. كما لمّح الجعيدي إلى استغلال أنشطة رسمية لأغراض انتخابية من طرف بعض نواب الرئيس، دون تنسيق مع باقي الأعضاء، معتبراً أن هذه السلوكيات “تهدد مصداقية التسيير وتُضعف صورة المجلس لدى المواطنين”.
وتأتي هذه التطورات في سياق مرحلة انتقالية معقدة تمر بها جماعة أصيلة، بعد وفاة رئيسها التاريخي محمد بن عيسى في فبراير الماضي، وانتخاب طارق غيلان، مرشح حزب الأصالة والمعاصرة، خلفاً له في مارس. وقد شهدت الجماعة منذ ذلك الحين سلسلة من الهزات التنظيمية، من أبرزها انسحاب بعض الأعضاء من رئاسة اللجان، وتوجيه مراسلة رسمية من طرف عمالة طنجة-أصيلة تُنبه إلى اختلالات قانونية في جدول أعمال الدورة الاستثنائية.
هذه المعطيات تُضاف إلى جدل سابق حول مشروع سوق الرحمة، الذي أثار موجة انتقادات بدعوى اتخاذ قرارات ارتجالية دون دراسات تقنية، ما دفع عدداً من المستشارين إلى التحذير من مخاطر تكرار سيناريو الفشل التنموي، في وقت تبدو فيه أصيلة في أمس الحاجة إلى استقرار مؤسساتي وحكامة واضحة لاستعادة مسار التنمية.
بعد رحيل بن عيسى.. طارق غيلان يرث أزمة تدبير مشاريع استراتيجية في أصيلة







