كشف المجلس الأعلى للحسابات، في تقريره حول تنفيذ قانون المالية لسنة 2023، عن استمرار ممارسات مالية مثيرة للقلق تتعلق بالحسابات الخصوصية للخزينة، والتي باتت تُعرف بما يُشبه “الصناديق السوداء”، بسبب غموضها، وافتقارها للشفافية والمساءلة الكافية.
ومن بين أبرز الملاحظات التي أوردها التقرير، استمرار بعض هذه الحسابات في تحمّل نفقات الأجور والتعويضات لفائدة موظفين وأعوان، رغم أن القانون التنظيمي للمالية يمنع ذلك بشكل صريح، باستثناء حالات نادرة تُحدد في قوانين المالية السنوية. وتحديداً، تنص المادة 28 من هذا القانون على أنه لا يجوز إدراج نفقات المرتبات أو الأجور ضمن الحسابات الخصوصية للخزينة، إلا في حالات استثنائية منصوص عليها قانونياً.
ورغم أن وزارة الاقتصاد والمالية حاولت تبرير هذه الممارسات باعتبارها “استثناءات ضرورية” تخص فئات معينة من الموظفين كعمال الإنعاش الوطني، وموظفي الوقاية المدنية، وأعوان كتابات الضبط، فإن المجلس شدد على أن هذه الممارسات تتنافى مع جوهر النص القانوني، وتفرغ القانون التنظيمي من مضمونه، وتفتح المجال أمام الإنفاق غير المقنن.
لكن هذه المخالفات لم تتوقف عند هذا الحد، إذ سجل التقرير أيضاً وجود تطورات محاسباتية غامضة، تتجلى في إدراج مبالغ تحت بند “المبالغ المرجعة من الأموال المقيدة في الحساب بدون حق” داخل بعض هذه الحسابات. وهو تطور لم يشمل جميع الحسابات، ولم يتم تفسيره بالشكل الكافي، ما يطرح علامات استفهام إضافية حول دقة المعالجة المحاسبية في هذا الباب.
على صعيد الأرقام، بلغ عدد الحسابات الخصوصية مع نهاية سنة 2023 ما مجموعه 69 حساباً، مسجلاً بذلك انخفاضاً طفيفاً مقارنة بـ76 حساباً في سنة 2015. ورغم هذا التراجع العددي، إلا أن الأرقام المتعلقة بالمداخيل والنفقات تشير إلى تضخم كبير. فقد بلغت مداخيل هذه الحسابات 181.58 مليار درهم، أي بنسبة تنفيذ فاقت 165 في المائة من التوقعات، بينما ارتفعت نفقاتها إلى 290.97 مليار درهم، بزيادة بلغت 19 في المائة مقارنة بسنة 2022.
الخطير في الأمر أن تنفيذ هذه النفقات يظل متمركزاً بشكل كبير في عدد محدود من الحسابات، حيث أن 75.5 في المائة من إجمالي النفقات تم صرفها عبر تسعة حسابات فقط. ومن بين هذه الحسابات نذكر صندوق حصة الجماعات الترابية من الضريبة على القيمة المضافة، وصندوق دعم الحماية الاجتماعية، وصندوق استبدال أملاك الدولة.
ولم يقف التقرير عند حجم النفقات، بل أشار إلى أن العديد من هذه الحسابات لا تصرف حتى نصف الاعتمادات التي تُرصد لها، فيما توجد حسابات لم تُسجّل أي نفقات تُذكر منذ ثلاث سنوات متتالية، وهو ما يُفترض أن يؤدي إلى حذفها تلقائياً بحسب ما تنص عليه المادة 28 من القانون التنظيمي للمالية، إلا أن ذلك لا يُطبق فعلياً، لأسباب تتعلق ببطء التنفيذ وغياب الصرامة القانونية.
وزارة الاقتصاد والمالية، في معرض ردها على هذه الملاحظات، ربطت هذا الواقع بعدة عوامل، من بينها طبيعة المشاريع الممتدة على عدة سنوات، وصعوبات التدبير، وتعدد المتدخلين، بالإضافة إلى بعض الإكراهات التقنية والإدارية.
في ظل هذه الاختلالات، أوصى المجلس الأعلى للحسابات بضرورة إجراء تقييم شامل وموضوعي لمنظومة الحسابات الخصوصية، والعمل تدريجياً على تقليص عددها، وتحويل النفقات الاعتيادية – خاصة تلك المتعلقة بالأجور – إلى الميزانية العامة، من أجل تعزيز الشفافية والرقابة البرلمانية.
وحذّر المجلس من مغبة استمرار هذه الحسابات في ابتلاع موارد مالية ضخمة دون مردودية واضحة، مشدداً على أن حماية المال العام تتطلب إصلاحاً هيكلياً لمنظومة الحسابات الخصوصية، بما يعيدها إلى دورها الأصلي، أي تمويل مشاريع تنموية واضحة ومحددة، لا تغذية صناديق مغلقة تفتقر للمساءلة.







