في الوقت الذي نبه فيه الملك محمد السادس، في خطاب العرش الأخير، إلى أن مظاهر الفقر والهشاشة مازالت تنخر جسد عدد من المناطق المغربية، خاصة في العالم القروي، محذراً من أن غياب البنيات التحتية الأساسية والخدمات الاجتماعية يتعارض مع تصوره لمغرب اليوم ومع الجهود المبذولة في سبيل تحقيق العدالة المجالية والتنمية الاجتماعية، تعيش جماعة عامر الجنوبية التابعة لعمالة سلا حالة من التهميش المزمن، وكأنها تقع خارج حدود العاصمة الرباط، رغم أنها لا تبعد عنها سوى بضع دقائق، ورغم احتضانها قبل أسابيع قليلة لمشروع ملكي استراتيجي ضخم يتعلق بمنصة المخزون والاحتياطات الأولية لجهة الرباط- سلا- القنيطرة. غير أن المفارقة الصادمة تكمن في أن هذه الجماعة، التي يفترض أن تكون نموذجاً في التنمية، مازالت غارقة في واقع بئيس، لم تنجح كل الزيارات الرسمية والوعود الانتخابية المتكررة في تغييره قيد أنملة.
ورغم الحركية “الماراطونية” التي سبقت الزيارة الملكية، والتي جرى خلالها ترقيع الطرقات الرئيسية على عجل وجلب العشب الاصطناعي على طول المسار الذي مر منه الموكب، فإن واقع المنطقة بعد انتهاء الحدث ظل كما كان. طرق مهترئة، أحياء غارقة في الغبار، نقل شبه منعدم، ودراجات ثلاثية العجلات تنقل المواطنين أمام مرأى السلطات، وصورة قاتمة تعكس فشل المجلس الجماعي الذي يرأسه الاستقلالي محمد كربوب.

وكانت المنطقة قد تحولت خلال العقد الأخير إلى قبلة للموظفين والأطر الباحثين عن سكن اقتصادي واجتماعي في مشاريع مثل “بيت المستقبل” و”بيتي سكن”، بعدما تم الترويج بأنها ستستفيد من تمديد خط الترامواي ومشاريع تنموية موازية. لكن الوعود سرعان ما تبخرت، وأصبحت هذه التجمعات السكنية أشبه بـ “غيتوهات إسمنتية” بلا روح. وتشير تقديرات فاعلين محليين إلى أن أكثر من 40 في المئة من الأسر التي استقرت بالمنطقة غادرتها مجبرة، بعدما تحولت الحياة اليومية إلى معاناة متواصلة بفعل غياب أبسط شروط العيش الكريم.
الأخطر أن ما يفترض أنه سكن اجتماعي مدعوم بأموال “دافعي الضرائب” تحول إلى صورة طبق الأصل من العشوائيات والكاريانات. بعض أن عمدَ بعض القاطنين في “بيتي سكن 2” الى اغلاق البالكونات وتحويل مزاريب الأمطار (les gouttières) إلى قنوات لتصريف مياه الغسيل الملوثة مباشرة الى الشارع العام، لتغدو الأزقة برك مفتوحة مفتوحة تنبعث منها الروائح الكريهة، وتجلب الحشرات والكلاب.
من جهتهم، حذر فاعلون جمعويون من أن هذه الممارسات تهدد الصحة العامة، وتتناقض مع فلسفة برامج الدولة في السكن اللائق. لكن المثير أن كل ذلك يحدث أمام أعين المجلس الجماعي والسلطات المحلية، من دون أي تفعيل لمقتضيات قانون التعمير أو الشرطة الإدارية. والسؤال الذي يطرحه عدد من المتضررين بمرارة، “مَن يحاسب من؟”.

ويقول محمد. ب، أحد ساكنة “بيتي سكن 2”: “الوضع لم يعد يطاق. أصبحنا نعيش في عزلة تامة رغم أنه لا تفصلنا عن الرباط سوى ربع ساعة. أي حديث عن التنمية هنا مجرد وهم”، مضيفاً أن عشرات الشكايات الشفهية رُفعت إلى السلطات من أجل التدخل لوضع حد لهذه العشوائية في سكن يُفترض أنه لائق، لكن دون أي تجاوب.
في المقابل، تنتشر الكلاب الضالة بشكل مقلق، تعترض طريق الأطفال والنساء، فيما الجريمة واستهلاك المخدرات في تزايد، حسب تقديرات فاعلين محليين، مع تسجيل حالات اعتداء متكررة في غياب أي مقاربة اجتماعية أو أمنية ناجعة. ويقول ناشط جمعوي في حديث مع “نيشان” : “الأمر أشبه بقنبلة اجتماعية موقوتة. شباب بلا أفق، لا مرافق، لا ملاعب، ولا ثقافة. أي مستقبل ينتظرهم؟”.

ويطرح هذا الواقع الكارثي سؤالاً حارقاً حول مسؤولية المجلس الجماعي الذي يقوده الاستقلالي محمد كربوب، والذي لم ينجح منذ سنوات في إخراج الجماعة من عزلتها. كما يطرح سؤالاً مباشراً عن دور عامل عمالة سلا “عمر التويمي”، الذي يُفترض أنه المسؤول الأول عن السهر على التنمية المحلية وضمان انسجامها مع التوجيهات الملكية. وتتساءل المصادر “كيف لجماعة “عامر” التي توجد على مرمى حجر من العاصمة وتحتضن مشروعاً ملكياً ضخماً أن تظل غارقة في هذا الوضع؟ أليس في ذلك استخفاف صريح بمفهوم العدالة المجالية الذي دعا إليه الملك؟”.

في كل هذه التفاصيل، يظل القاسم المشترك هو غياب الإرادة الفعلية. سكان عامر الجنوبية يعيشون يومياً معاناة مضاعفة، طرق مهترئة تجعل تنقلاتهم كابوساً، إنارة شبه منعدمة تجعل من الليل غابة مفتوحة، صرف صحي كارثي يهدد الصحة العامة، كلاب ضالة وجريمة متنامية تحرمهم من الأمن، وسكن اجتماعي تحول إلى “عشوائي جديد”.
وفي مواجهة هذا المشهد، ترتفع الأصوات مطالبة بتدخل عاجل من وزارة الداخلية وبرامج إنقاذ استعجالية تضع حداً للتهميش، وتعيد الاعتبار لمفهوم التنمية الذي ما فتئ يدعو إليه الملك محمد السادس في أكثر من خطاب ملكي دون أن يجد طريقه إلى التنفيذ.





















