في الوقت الذي أطل فيه رئيس الحكومة عزيز أخنوش على قبة البرلمان في يوليوز الماضي، متحدثا عن “عهد جديد للتشغيل” وعن رؤية حكومية تمتد إلى أفق 2030، كشفت الأرقام الرسمية الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط عن نزيف حاد لمناصب الشغل بالقرى المغربية وبوتيرة غير مسبوقة. العالم القروي، الذي لطالما قدّمه أخنوش نفسه باعتباره ركيزة “المخطط الأخضر” منذ 2008، يعيش اليوم على وقع انهيار ممنهج.
تقرير “مندوبية بنموسى” سجّل اختفاء 107 آلاف منصب شغل في القرى خلال الربع الثاني من سنة 2025، أي ما يعادل مدينة صغيرة انهار اقتصادها خلال ثلاثة أشهر فقط. والأكثر مأساوية أن مشاركة النساء في سوق الشغل القروي تراجعت إلى 18,8% بعدما كانت 21,6% سنة 2024، في إشارة إلى انكماش غير مسبوق في أفق التشغيل القروي وتآكل مكتسبات هشة تحققت سابقاً بصعوبة.
هذا النزيف لا يمكن عزله عن السياسات التي أشرف عليها أخنوش نفسه لأزيد من عقد حين كان وزيرًا للفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات. ففي دجنبر 2019، أعلن أمام البرلمان أن “المخطط الأخضر” خلق ما بين 250 و300 ألف منصب شغل إضافي، ورفع المداخيل الفلاحية بـ67%. لكن بعد مرور ست سنوات فقط، جاء تقرير بنك المغرب ليكشف أن القطاع فقد منذ إطلاق المخطط 965 ألف منصب شغل، أي ما يعادل إفلاساً هيكليًا لسوق الشغل القروي، بمعدل صادم بلغ 136 ألف منصب مفقود سنوياً بين 2018 و2023.
المفارقة أن الحكومة الحالية تواصل اليوم بيع الوهم ذاته. ففي يوليوز الماضي، تحدث رئيس الحكومة أمام المستشارين عن إحداث 354 ألف منصب شغل خلال الربع الأول من السنة، أغلبها في قطاع الخدمات، وقدم رقما لامعا، 1,45 مليون منصب في أفق 2030، بميزانية 15 مليار درهم. لكن خلف هذه الدعاية، يظل نزيف الفلاحة مستمراً بلا توقف، ما يجعل هذه “الأرقام الذهبية” مجرد ستار إعلامي يخفي انهيار القاعدة الصلبة للتشغيل في المغرب القروي.
الخبير في التنمية القروية محمد بوزيدي بنصالح يؤكد أن النتيجة كانت متوقعة، ذلك أن “المخطط الأخضر” ركّز على المكننة والتصدير بدل دعم الفلاح الصغير. ويكمل بوزيدي في تصريح لـ”نيشان“: “تضاعف عدد الجرارات من 40 ألف سنة 2008 إلى 75 ألفاً سنة 2018، وارتفعت أعداد آلات الحصاد، فتم الاستغناء عن اليد العاملة، فيما لم تُقدَّم أي بدائل حقيقية. والنتيجة اليوم، فائض عمالة عاطلة، شباب مهاجر إلى المدن، ونساء خارج دورة الإنتاج”.
على الجانب الآخر، باتت المرأة القروية التي طالما رُوّج لقصص “تمكينها” عبر برامج الدعم في نشرات الأخبار العمومية، أولى ضحايا هذا الفشل. تقرير المندوبية الأخير كشف انهيار مشاركتها في سوق العمل، بينما أخنوش وعد في يوليوز 2025 بحضانات جهوية ونقل خاص للنساء العاملات. وعود مؤجلة لم يتعدَ أثرها قاعة البرلمان.
في المقابل، جاء تقرير بنك المغرب لسنة 2023 بلغة صارمة ومباشرة، مؤكدًا أن 202 ألف منصب فلاحي تبخر في سنة واحدة، ليتراجع وزن الفلاحة في التشغيل الوطني إلى أقل من 28%. هذا يعني أن خطاب أخنوش عن “عهد جديد للتشغيل” يقوم على طمس حقيقة مركزية، مفادها أن المغرب يخسر اليوم عموده الفقري الاقتصادي والاجتماعي لصالح نمو غير فلاحي هش يترك القرى غارقة في البطالة والفقر.
المحللة الاقتصادية سعاد جوامع تلخص المعضلة بوضوح، مشيرة إلى أن الحكومة تستعمل أرقام التشغيل غير الفلاحي كواجهة لتغطية الفشل الفلاحي. لكن الواقع على الأرض يعكس الحقيقة بشكل صارخ بودون ماكياج، قرويون بلا عمل، دخل فلاحي متراجع، موجات جفاف خانقة، وملايين مهددين بالهجرة القسرية. وتؤكد جوامع في حديث مع “نيشان” أن “البنك الدولي نفسه حذّر من احتمال نزوح 1,9 مليون مغربي إلى المدن بحلول 2050 بسبب الإجهاد المائي”.
هكذا، فإن “الجرأة السياسية” التي يتحدث عنها أخنوش لا تُترجم إلا في الميكروفونات، بينما القرى المغربية تتحول تدريجيًا إلى فضاءات مهجورة، خزانات للفقر والهجرة. وإذا كان رئيس الحكومة يعتبر أن كل خطوة “استثمار في كرامة المواطن”، فإن كرامة الفلاح اليوم مُداسة تحت عجلات سياسات عمّقت الهوة بين خطاب الدولة وواقع المجتمع.
وتؤكد المصادر أن ما نشهده اليوم ليس أزمة موسمية مرتبطة بالجفاف وحده، بل هو إفلاس استراتيجي ممتد من “المخطط الأخضر” إلى الحكومة الحالية. إخفاق في ضمان الحد الأدنى من استدامة التشغيل، إخفاق في حماية الفلاح الصغير، وإخفاق في ضمان العدالة المجالية. والنتيجة، قرى بأكملها تتحول إلى مقابر لفرص الشغل، بينما تُسوّق الحكومة صورة وردية عن “مغرب الفرص”.
في المحصلة، تطرح الأسئلة نفسها بإلحاح، كيف لرئيس حكومة قادم من قلب القطاع الفلاحي أن يتركه اليوم يتداعى بهذا الشكل؟ كيف يمكن لمخطط صُرفت عليه المليارات أن ينتهي بخسارة مليون منصب شغل؟ والأهم، إلى متى ستبقى القرى المغربية مجرد موضوع في خطب رسمية، بينما واقعها يتجه نحو الانهيار الكامل؟
الجواب حتى الآن يبدو واضحًا، مزيد من الأرقام “الهُلامية”، مزيد من الخطط الورقية، وقليل من الجرأة الحقيقية لمواجهة أزمة بحجم وطن بأكمله.







