تحولت رحلة العودة من عطلة الصيف إلى فوضى عارمة على الطرق السيارة، خصوصا بين طنجة والرباط، حيث وجد آلاف السائقين أنفسهم عالقين لساعات طويلة في طوابير ممتدة، بسبب أشغال صيانة وتوسعة برمجت في ذروة العودة الجماعية عشية الدخول المدرسي. مشاهد سيارات متوقفة على مد البصر، وأسر مرهقة من زحمة خانقة، أعادت إلى الواجهة سؤال الحكامة في إدارة شبكة تُفترض أن تكون شريان التنقل الحيوي في المغرب.
ولم تقتصر الأشغال على نقط محدودة، بل شملت مقاطع مختلفة من الشبكة، أبرزها ورش إعادة تأهيل الطريق الرابط بين سيدي اليماني وأصيلة، الممتد على 14 كيلومترا بكلفة تقارب 380 مليون درهم ومدة إنجاز تناهز 30 شهرا. مدة طويلة تعني أن معاناة مستعملي الطريق لن تنتهي قريبا. وهو ما أثار غضبا واسعا على مواقع التواصل وفي محطات الأداء، حيث تساءل مستعملون عن منطق إدارة الطرق السيارة التي تستخلص رسوما مرتفعة ثم تبرمج أشغالا تعرقل السير في أكثر اللحظات حساسية من السنة.
هذا الغضب ليس وليد اليوم. فمنذ سنوات والانتقادات تطال الشركة الوطنية للطرق السيارة بسبب أشغالها غير المنتهية وخدماتها الملتبسة، وعلى رأسها نظام “جواز” الذي يمنح أفضلية غير عادلة لفئة دون غيرها، ويكرس شعورا بالتمييز في مرفق عمومي يفترض أن يعامل مستعمليه على قدم المساواة.
إلى جانب ذلك، يثقل كاهل الشركة إرث مالي ثقيل، إذ بلغت مديونيتها 39 مليار درهم وفق آخر تقرير رسمي، ما دفع لجنة برلمانية سابقة إلى فتح ملف اختلالاتها المالية والتدبيرية، وسط أسئلة متكررة حول مصير استثمارات بمئات الملايين من الدراهم. لكن المدير العام الجديد، الشرقاوي الدقاقي، الذي جاء بتركة مثقلة من الديون والارتباك، لم يقدّم بعد مؤشرات قوية على تغيير النهج، بل واصل نفس البرمجة التي تضع المستعمل في آخر سلم الأولويات.
وعند استحضار التجارب المقارنة، تبرز الهوة بشكل أوضح. ففي إسبانيا مثلا، تُبرمج أشغال الطرق السريعة بشكل شبه حصري خلال الليل مع وضع مسارات بديلة منظمة، وتقدَّم للمستعملين معلومات فورية عبر لوحات إلكترونية وتطبيقات رسمية.
أما في تركيا، التي تدير شبكة تمتد لآلاف الكيلومترات، فالأشغال تتم وفق تخطيط صارم، حيث يتم إغلاق المقاطع بشكل مرحلي وتُعتمد حلول مؤقتة لتفادي أي اختناق مروري في مواسم السفر. المقارنة تُظهر أن المشكل ليس في طبيعة الصيانة، بل في غياب رؤية تدبيرية تضع المواطن المغربي في صلب أولويات المرفق العمومي.







