مازال ملف ساكنة عنق الجمل بسلا يراوح مكانه رغم الوقفات الاحتجاجية والمراسلات الموجهة إلى مختلف الجهات المعنية، منذ عملية الترحيل والهدم التي جرت قبل حوالي ثمانية أشهر.
الاحتجاجات التي تجددت منتصف غشت الجاري، لم تكن سوى حلقة جديدة في سلسلة طويلة من شد الحبل بين السكان والوكالة المشرفة على مشروع التهيئة بضفتي أبي رقراق، وسط اتهامات من المتضررين بغياب الإنصاف في التعويضات وبتجاهل صوتهم الذي ظل يعلو في الشارع وفي المجالس المنتخبة على السواء.
المحتجون الذين خرجوا يوم 17 غشت، رفعوا شعارات تندد بما اعتبروه “ظلمًا صارخًا”، بعدما حددت قيمة التعويض عن الأراضي المنزوعة في حدود تتراوح بين 80 و100 درهم للمتر المربع، وهو ما وصفوه بكونه لا يعكس بأي حال من الأحوال القيمة الحقيقية للعقار بالمنطقة. بل إن بعضهم تحدث عن “مهزلة قانونية” بعدما شرعت الوكالة في أشغال التشجير والتهيئة فوق الوعاء العقاري موضوع النزاع، في وقت لم تُحسم بعد المساطر القانونية ولم يتسلم كل السكان مستحقاتهم.
هذا التوتر الجديد لا يمكن فصله عن السياق الأوسع الذي عاشته المنطقة منذ فبراير الماضي، حين تحولت جرافات السلطات إلى “ضيف ثقيل” على بيوت حي عنق الجمل، فسوّت عشرات المساكن بالأرض، ودفعت بالعائلات إلى البحث عن حلول ترقيعية للإيواء، بين من لجأ إلى أقارب في أحياء أخرى، ومن اضطر إلى كراء شقق بأسعار ملتهبة في سوق عقارية تعرف غلاء كبيرا. حينها، وُعد السكان ببقع أرضية بمنطقة الحنشة، على أمل أن تُشكل بديلاً سكنياً “لائقاً”، لكن أغلب المتضررين ما زالوا يعتبرون تلك الصيغة مجرد تعويض هش لا يعكس حجم الخسائر.
وكانت السلطات المحلية قد شددت، غداة عمليات الهدم، على أن أغلب البنايات كانت عشوائية أو مجرد “برّاكات”، وطرحت في المقابل صيغة الاستفادة من بقع أرضية وفق شروط محددة، من بينها أداء مقابل مالي، والتقيد بالتصاميم المرخصة، وعدم الاستفادة السابقة من برامج الدعم السكني. غير أن الواقع على الأرض بدا أكثر تعقيدًا؛ إذ يؤكد السكان أنهم كابدوا سنوات من الكد لتشييد مساكنهم، وأنهم ضخوا فيها استثمارات مالية معتبرة ضاعت بين ليلة وضحاها.
كما أن الجدل حول مصير عنق الجمل لم يبقَ حبيس الأزقة والبيوت التي سُوِّيت بالأرض، بل انتقل إلى قاعات المجالس المنتخبة. ففي أكثر من دورة، طالب منتخبون وكالة تهيئة ضفتي أبي رقراق بمزيد من التواصل والوضوح بخصوص مشاريعها، محذرين من أن تجاهل البعد الاجتماعي قد يحوّل هذه المشاريع التنموية إلى مصدر احتقان دائم.
اليوم، وبعد أشهر من وعود التعويض و”التطمينات الرسمية”، لم تهدأ موجة الغضب. الساكنة تتشبث بحقها في مراجعة أثمنة التعويض بما يوازي قيمة عقاراتها، وتلوح بالتصعيد القانوني والإداري، بينما تمضي الوكالة في تنزيل مشاريعها المبرمجة التي حولت أراضي عنق الجمل إلى فضاءات خضراء. وبين هذا وذاك، يبدو أن الملف مرشح لمزيد من التعقيد، ما لم تُبادر السلطات إلى صياغة حل وسط يوازن بين ضرورات التهيئة وحقوق الساكنة في العيش الكريم، قبل أن تتحول عنق الجمل إلى عنوان جديد لصراع مزمن بين التنمية والعدالة الاجتماعية.







