السياسة في عمقها ورسالتها مجال الأفكار والمعرفة بامتياز، ووظيفة الفاعل السياسي الأساسية إبداع أفضل الحلول لمشاكل الناس. والسياسيون العباقرة هم في الغالب حملة أفكار خلاقة وشعارات مبدعة، استطاعوا بها نقل مجتمعاتهم من حالة التخلف واللااستقرار إلى مجتمعات آمنة وموحدة ومزدهرة.
لم يكن أبداً كبار الساسة أثرياء، وليس هناك من قاعدة في علم السياسة تربط النجاح السياسي بالتوفر على الثروة. ولم يحدث أبداً أن طلب شعب في العالم من أي سياسي أن يصرف عليهم من ماله الخاص، ذلك أن السياسي حين يتقلد منصب المسؤولية ويمتلك سلطة القرار، فهو ينفذ السياسات العمومية بواسطة المال العام، والمال العام فقط، حتى ولو كان من كبار الأثرياء. وفي الديمقراطيات المتقدمة، قد يصير الفاعل السياسي ثرياً بفضل عبقريته التجارية، وبعدها يصبح سياسياً، لكن عندنا العكس صحيح، فبعضهم دخل السياسة فقيراً جاهلاً أمياً، وبقدرة قادر أصبح يملك ثروات بالملايين التي اكتسبها من المال العام، في غياب المراقبة والمحاسبة.
والكارثة عندنا أننا نلاحظ تهافت الأحزاب على ترشيح الأثرياء، والأثرياء فقط. وهذا مرده إلى أن المقعد أصبح غنيمة، والصوت الانتخابي صار سلعة عوض أن يكون تفويضاً شعبياً ومناسبة للمحاسبة واختيار البرنامج المناسب.
لقد ساهمت عقود من تخريب العمل السياسي وإفساد الانتخابات، عن طريق خلق أحزاب من الأعيان أثرياء الريع والفساد، وإطلاق أياديهم في المال العام دون محاسبة أو مراقبة، وصنع أحزاب على مقاس السلطة، في هذا الوضع الكارثي الذي يتم فيه تغييب المناضلين الشرفاء والمثقفين المتنورين والكفاءات النزيهة، في مقابل الدفع ببعض النماذج التي تشكل حثالة من اللصوص وعديمي الوطنية والأخلاق إلى الواجهة.
قد تجد جهات سلطوية في الدولة صعود هؤلاء الفاسدين مريحاً، خاصة عندما يسيطرون على مؤسسات منتخبة تسمح للسلطوية أن تمرر عبرهم كل القوانين والقرارات اللاشعبية والتي تضرب في الصميم البناء الديمقراطي وحقوق الإنسان وانفتاح الدولة. لكن الخطر يبقى في فقدان ثقة الشعب في المؤسسات، وكذا في محاولة هؤلاء الأثرياء الفاسدين خلق دولة داخل الدولة، أو تحولهم إلى مافيات خطيرة تستطيع تخريب الدولة القوية من داخلها وتحويلها إلى دولة فاشلة.
من المؤسف اليوم ملاحظة هزالة البروفايلات الرائجة في مواقع المسؤولية، في الحكومة والبرلمان والمؤسسات الأخرى، فأغلبهم مجهولون لدى الرأي العام، وغالباً ما يتم إسقاطهم بالمظلات الزبونية إسقاطاً على مناصب أكبر منهم بكثير، ولا علاقة تربطهم بها. وهذا النوع قد يقضي وقتاً طويلاً في مواقع المسؤولية، لكن دون أثر إيجابي يذكر. ومن المؤلم للغاية أن نسجل أن خرجات مسؤولين كبار غالباً ما تبدأ وتنتهي بفضائح تستحق فتح تحقيقات من النيابة العامة وتسقط رؤوساً، لو كنا في دولة تطبق فعلاً مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
لا يعقل أن يكون البلد على بعد سنوات قليلة من تحديات كبرى، وتجد أن وزراء حكومة أخنوش غالبيتهم بدون تكوين سياسي وبدون قدرات تواصلية. يصعب على المتتبع، مثلاً، أن يذكر خمسة أسماء لعناصر قيادية في حزب أخنوش أو في حليفه حزب الأصالة والمعاصرة. لو كانت فعلاً هذه أحزاب أغلبية حقيقية صعدت للحكومة بانتخابات نزيهة، لكانت قياداتها معروفة للعموم، لكن الحقيقة أن مهزلة انتخابات شتنبر 2021، التي عرفت إنزالاً مكثفاً للمال السياسي الفاسد، جاءت بنخب أرهقت المغاربة بفضائح الفساد، وما خفي والله أعظم.
لا يستحق المشهد السياسي المغربي أن يتم ملؤه عن آخره بهذه النخب المحسوبة على لوبيات الريع والمصنفة من طبقة الأعيان، التي لا لون لها ولا طعم سياسي، غير التزلف من مراكز القرار لضمان ريع المناصب والميزانيات الدسمة في الجماعات والمؤسسات التمثيلية الأخرى.
إن مسؤولية المواطن هنا واضحة، فلا أحد يمكنه تبرير بيع صوته، فهذا الفعل الشنيع بمثابة بيع وطن بأكمله واستهتار بمستقبل الأجيال. ومسؤولية المثقف أن يوظف سلاح التنوير والتوعية لمناهضة هؤلاء اللصوص، لا أن يمارس الحياد.
على الدولة أن تعي أن هؤلاء الأثرياء الفاسدين لا يجلبون استقراراً ولا ازدهاراً، وأن سلوكهم الفاسد يشكل استفزازاً خطيراً لمشاعر الملايين، الذين قد يصمتون سنوات وهم يشاهدون بغضب مظاهر الفساد والتسلط ويعيشون تحت نير الفقر، فيما هؤلاء الفاسدين ينعمون بخيرات الوطن، لكنهم قد يحولون غضبهم في أي لحظة إلى نار تأكل الأخضر واليابس، لا قدر الله.
لم يعد هناك مناهضون للدولة في النسق الحزبي المغربي، ولم تعد للدولة مبررات معقولة لتفضيل انتصار طرف معين في الانتخابات، ولم يعد هناك من تقاطب سوى بين القوى الوطنية النظيفة وبين لوبيات الفساد. وعلى الدولة أن تتحلى بالحكمة والإرادة لوقف سيطرة أثرياء السياسة المفسدين على مقاليد المؤسسات المنتخبة ووسائل الإعلام، وذلك بمنع كل من تورط في الفساد وتضارب المصالح من ممارسة العمل السياسي، وتطبيق القانون في حق كل من تلطخت أياديهم بالمال العام، وزجر كل من ساوم مواطناً أو مواطنة على صوته، ومعاقبة بيع التزكيات الحزبية والسمسرة الانتخابية، وغيرها من الإجراءات القانونية والزجرية، حتى نحمي الدولة والمجتمع، ونصون أمن البلاد واستقرارها، ونحقق ازدهارها.







