الشعوب الأولى التي عرفت التصفيق كانت تمارسه في الطقوس، وتؤدي مقابلاً لمن يقوم به، كما أن الدراسات أثبتت أن التصفيق ظاهرة قهرية تنطوي على نوع من الخنوع والاستسلام الذي يتضمن جوانب انتهازية ووصولية، إلا أن ذلك لم يمنع بعض الأحزاب المغربية من توظيف هذه العادة في مؤتمراتها كبديل حاسم عن صناديق التصويت.
فالطريقة التي تم بها انتخاب إلياس العماري على رأس الأمانة العامة لحزب الأصالة والمعاصرة، ومن قبله امحند العنصر على رأس الحركة الشعبية، ومن بعده إدريس لشكر ونبيل بنعبد الله وغيرهم، أعادت إلى الواجهة تساؤلات عريضة حول كيفية صنع الزعامات، وإعداد وطبخ المؤتمرات الحزبية بالمغرب، بعد أن تخلت الكثير من الأحزاب السياسية عن صناديق الاقتراع، وعوّضتها بلغة الإشارات.
فالموضة القائمة حاليًا هي الهتاف والتصفيق ورفع الأيادي والوقوف ترحيبًا بالمرشح الفريد الذي سيتقدم لتسلم الأمانة العامة للحزب دون منافس ودون أي اعتراض، بعد أن أشرف طبعًا على كافة التفاصيل المرتبطة بالمؤتمر، بما فيها نصب الخيمة وطبيعة الولائم التي ستُقدم بعد التدقيق في لوائح المؤتمرين وحذف كل عنصر يحمل جينات التمرد على ما يقع.
هذه الطفرة الحاصلة في اختيار أو الاستسلام لزعامات فُرضت أو طفت على المشهد السياسي، لا تعكس – حسب عدد من المتتبعين – تطور الديمقراطية الداخلية للأحزاب حد التسليم والاقتناع المطلق بالقدرات الخارقة للمرشح الوحيد، بقدر ما تكشف أن بعض الأحزاب المغربية تحولت فعلاً إلى ملكيات وضيعات يُوزع فيها الريع على المريدين على شكل مناصب في المكتب السياسي أو اللجنة المركزية أو وظائف وتعيينات في مناصب سامية، مع تسليط سيف التأديب والطرد على العصاة والخارجين عن الطاعة، لتعبيد الطريق لانتخابات على المقاس في المؤتمرات القادمة بعد الحسم بشكل مسبق في جميع التفاصيل.
جزء من هذا الواقع تكشفه طريقة تصريف أشغال عدد من المؤتمرات، حيث يتضح أن معظم المؤتمرين يأتون إما للدفاع عن بعض المصالح الشخصية مستغلين “الظرف”، أو للتصفيق دون فهم، أو لإشباع بطونهم قبل الرحيل، ليتحول الحزب بعدها إلى رهينة في يد شخص واحد سيصبح مركز الحزب، لتدور جميع الهياكل الموازية في فلكه، وينفرد باتخاذ القرار.
والواقع أن اللجوء إلى التصفيق يعكس نوعًا من عدم الثقة فرضته المؤتمرات الأخيرة لعدد من الأحزاب التي تم فيها تفعيل صندوق التصويت، لتتحول إلى صراع ديكة بين المرشحين وأنصارهم، ومعارك استُعملت فيها الكراسي ووُظفت فيها ألفاظ نابية تحت “السمطة”، كما حدث في مؤتمر حزب الاستقلال الذي انتهى بصعود شباط، وهو نفس السيناريو الذي عاشه حزب الاتحاد الاشتراكي مع انتخاب لشكر، ما عبد الطريق لميلاد حركات تصحيحية.
كما أن استعمال موضة التصفيق والهتاف كإبهار مرئي في انتخاب القيادات الحزبية لا يكتمل إلا من خلال بعض الإضافات والبهارات اللازمة لإضفاء نكهة ديمقراطية على اختيار المرشح الوحيد، إما من خلال تقديم مرشحين آخرين وتوظيفهم كأرانب سباق، كما حدث مع بعض الأحزاب أو النقابات، أو من خلال تسريب بالونات اختبار تستبق موعد المؤتمر، بطرح أسماء على أنها مرشحة بقوة لتولي منصب القيادة قبل أن تنسحب هذه الأسماء، أو يتضح لاحقًا أن الأمر كان مجرد بروفة مزيفة قبل العرض النهائي الذي سيُعلن فيه عن مرشح واحد ووحيد سيحظى بالإجماع والتصفيق.
والغريب أن بعض الأحزاب الحديثة العهد نسبيًا لم تجد حرجًا في اعتماد نفس الأسلوب بالتصفيق للمرشح الوحيد، رغم أنها تحمل شعار “الديمقراطيين الجدد”، وهو الأسلوب الذي ظهرت أعراضه الجانبية وقتًا قصيرًا بعد حدوث تصدعات وصراعات تُرجمت إلى تبادل علني للاتهامات والسب والشتم.
من جهة أخرى، فإن الطريقة التي يتم بها اختيار الأمناء العامين وزعماء الأحزاب بالتصفيق وبمرشح وحيد، تطرح سؤالًا حقيقيًا حول مفهوم الحزب لدى هؤلاء، وأدواره الوظيفية، وطبيعة العلاقة البينية مع المنخرطين فيه، علمًا أن بعض هذه الأحزاب لا تتردد في إشهار نفسها كمدافع عن قيم كونية، في الوقت الذي لا تلتزم فيه بقوانينها الداخلية، وتتجرد من الحد الأدنى للديمقراطية في تصريف خلافاتها، كما تغرق في الشخوصنة في تعاطيها مع باقي مكونات المشهد الحزبي، وفي تفاعلها مع قضايا المجتمع بعد أن تحولت إلى أداة في يد زعامات إما مفرطة في تضخم الأنا، أو تجر وراءها خلفيات سياسية وإيديولوجية غير واضحة وملتبسة.
كما أن موضة المرشح الوحيد جعلت بعض زعماء الأحزاب التي تظهر بشكل مناسباتي لا يجدون حرجًا في تعويض صناديق التصويت بـ”فتوّات” و”فيدورات” يقفون أمام باب مقر انعقاد المؤتمر من أجل “شرملة” المنافسين، أو أي عضو تظهر عليه علامات إثارة الفتنة والتشويش من خلال محاولة الاحتجاج، كما حدث في أحد المؤتمرات الحزبية بمدينة سلا، بعد أن حوصر جميع من كان داخل القاعة، ولم يُطلق سراحهم إلا بعد انتزاع التصفيقات لتجديد الثقة في الأمين العام.
من جهة أخرى، فإن ديمقراطية المرشح الوحيد والانتخاب المسرحي للزعامات، في ظل الواقع الحزبي المغربي وحالة الفصام التي تعيشها الأحزاب مع قضايا المجتمع وعموم المواطنين، تُطلق رصاصة الرحمة على أهم الأسباب الوجودية للأحزاب، والمتمثلة في دورها كمساهم “في نشر الثقافة السياسية ومشاركة المواطنين في الحياة العامة وتأهيل نخب قادرة على تحمل المسؤوليات العمومية وتنشيط الحقل السياسي”.
والغريب أن بعض الزعامات التي صعدت إلى الأمانة العامة بفضل تطبيق المرشح الوحيد، لا تجد حرجًا في الإدلاء بتصريحات حول ضرورة إتاحة الفرصة للأطر والشباب، كما حدث بعد التصويت على امحند العنصر لخلافة نفسه من خلال ورقة تحمل “نعم” أو “لا”، في إحالة على الاستفتاءات الشهيرة التي طبعت تاريخ المغرب، والتي كان معظمها ينتهي بأربعة أرقام متشابهة.
فالعنصر، الذي عَمّر طويلًا في المناصب وتنقل بينها دون تعب، أدلى بتصريح غريب بعد إعادة انتخابه، حين أكد أن “حزبه يزخر بكفاءات وأطر في شتى المجالات، وأنه يتعين إتاحة الفرصة لها من أجل إبراز قدراتها التدبيرية والتسييرية،ليقول “هذا بالضبط ما سأحرص عليه في ولايتي الجديدة”.؟؟؟







