يعيش قطاع مراكز النداء في المغرب حالة ترقّب غير مسبوقة مع اقتراب دخول تشريعات أوروبية جديدة حيز التنفيذ، أبرزها القانون الفرنسي الذي سيفرض ابتداء من يناير 2026 الحصول على موافقة مسبقة وصريحة من الزبون قبل أي اتصال هاتفي تجاري. وبحسب ما أوردته صحيفة Les Échos الفرنسية، فإن هذا الإجراء سيقلب نموذج عمل المراكز القائمة على الاتصالات الصادرة، وهو ما يضع المغرب، الذي يُعَدُّ واحداً من أكبر الوجهات العالمية في هذا المجال، أمام تحديات مصيرية.
ووفقاً لأرقام الجمعية المغربية لمراكز العلاقات مع الزبناء (AMR) ، فإن القطاع يشغّل حالياً أزيد من 90 ألف مستخدم عبر حوالي 800 مؤسسة، بإيرادات تناهز 18 مليار درهم سنوياً. لكن مصدراً نقابياً أكد لـ”نيشان” أن “الوظائف الأكثر هشاشة هي المهددة بالانقراض أولاً، خصوصاً تلك المرتبطة بالمهام الروتينية”، مضيفاً أن بعض المجموعات بدأت بالفعل مراجعة استراتيجياتها التشغيلية في ظل الضبابية السائدة.
من جانبها لم تصدر بعد وزارة الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات موقفاً رسمياً من التطورات، غير أن خبيراً في الاقتصاد الرقمي أوضح أن “الرهان الحقيقي ليس فقط في مواجهة القانون الفرنسي، بل في تنويع الأسواق وعدم ربط مصير 90 ألف أسرة بمزاج تشريعي لدولة واحدة”، مشيراً إلى أن السوق الأنجلوساكسونية والأفريقية تفتح بدورها فرصاً واعدة.
في السياق ذاته، يقدم الذكاء الاصطناعي هنا كسلاح ذو حدين. فبحسب تقرير أصدره مرصد التكنولوجيات الرقمية بباريس في يونيو الماضي، فإن اعتماد الـ”تشاتبوت” والـ”فويس بوت” يمكن أن يخفض تكاليف التشغيل بنسبة تصل إلى 30 في المئة، لكنه في المقابل قد يهدد الآلاف من الوظائف ما لم يُعتمد بشكل تكاملي مع العنصر البشري. أحد العاملين بإحدى كبريات شركات النداء بالدار البيضاء عبّر في تصريح لـ “نيشان” عن مخاوفه قائلاً: “نحن لسنا ضد التطور، لكن نخشى أن نُستعمل ككبش فداء من أجل أرباح إضافية للمجموعات”.
المنظمات النقابية ترفع بدورها نبرة التحذير، إذ اعتبر قيادي في الاتحاد المغربي للشغل أن “الانتقال الرقمي يجب أن يمر عبر ميثاق اجتماعي واضح يضمن تكويناً للموظفين وحماية لحقوقهم، وإلا فإن القطاع مهدد بانفجارات اجتماعية”.
على الجانب الآخر، يرى فاعلون مهنيون أن إدماج الذكاء الاصطناعي قد يشكّل فرصة نوعية لتحويل المغرب إلى منصة إقليمية للعلاقات الرقمية مع الزبناء، إذا ما تم استثماره في تطوير خدمات تحليل البيانات، والانتقال إلى نموذج “الزبون المدمج” الذي يزاوج بين الكفاءة البشرية والدقة الخوارزمية.
وبين الترقب والقلق، تظل النتيجة معلقة على قدرة الدولة والمهنيين على صياغة “طريق مغربية” للتكيف مع العاصفة التشريعية القادمة، بما يحفظ التوازن بين تنافسية القطاع وحقوق عشرات الآلاف من الأسر التي تعيش من عائداته.







