بعد أشهر من نشره في الجريدة الرسمية، يدخل القانون التنظيمي رقم 97.15 المتعلق بتحديد شروط وكيفيات ممارسة حق الإضراب حيّز التنفيذ الأربعاء المقبل ، الموافق 24 شتنبر الجاري، ليضع النقابات والحكومة أمام مواجهة ضمنية بين النص التشريعي والسياق الاجتماعي. القانون، الذي كان يُفترض أن يُنهِي فراغاً تشريعياً دام أكثر من ستة عقود، أصبح اليوم محور جدل؛ إذ تعتبره الحركة النقابية أداة لتقييد أحد الحقوق الدستورية الأكثر حساسية، بينما تراها الحكومة خطوة إصلاحية لتنظيم الإضراب وضمان استمرارية المرافق الحيوية.
مصادر نقابية تحدثت إلى نيشان اعتبرت شروط ممارسة الإضراب “تعجيزية”، مشيرة إلى أن “اشتراط حضور 35 في المئة من الأجراء لعقد جمع عام يقرر الإضراب يضرب الحق في الصميم، ويجعل ممارسته حكراً على قلة قليلة من النقابات ذات التمثيلية العالية”. كما حذرت من أن إلزامية “الخدمة الدنيا” في المرافق الحيوية، مثل المستشفيات، قد تتحول إلى ذريعة لإفراغ الإضراب من محتواه، إذ يبقى تحديدها بيد السلطة التنفيذية أو القضاء الاستعجالي.
النقابات أعربت أيضاً عن تخوفها من نظام العقوبات، إذ ينص القانون على غرامات تصل إلى 50 ألف درهم ضد النقابة الداعية إلى إضراب غير قانوني، و8 آلاف درهم ضد الأجير الذي يُتّهم بعرقلة “حرية العمل”. مصادر نيشان تساءلت: “كيف يغامر عامل يتقاضى أقل من 3000 درهم بإضراب قد يجرّ عليه غرامة تعادل راتب عدة أشهر؟ هذا ليس تنظيماً، بل تهديد مقنّع”.
في المقابل، يرى أرباب العمل أن القانون يوفر “أمناً قانونياً”، ويمنحهم القدرة على التدبير والتوقع، بدل الارتباك الذي كانت تسببه إضرابات غير مؤطرة. لكن ما تعتبره الباطرونا إصلاحاً، ترى النقابات أنه وسيلة لتجريد العمال من آخر أوراق ضغطهم.
القانون يدخل حيّز التنفيذ في ظرف اجتماعي مطبوع بالاحتقان. غلاء معيشة غير مسبوق، ضعف القدرة الشرائية، واتساع فجوة الثقة بين الشارع والحكومة. مسؤول نقابي في الفدرالية الديمقراطية للشغل اعتبر أن “القانون سلاح استباقي في يد الحكومة، وُضع ليُحصّنها ضد موجة الإضرابات المرتقبة بسبب الأوضاع الاجتماعية، بدل أن يكون مدخلاً لتنظيم حقيقي للحوار الاجتماعي”.
وأكد المسؤول النقابي ذاته، أنه مقارنة بالتجارب الأخرى، يتضح حجم الفارق. ففي فرنسا، لا يُشترط ترخيص مسبق للإضراب، ويُكتفى بإشعار بسيط لدى المشغل، بينما في إسبانيا يُفرض إشعار بمدة خمسة أيام مع احترام “الخدمات الدنيا”. أما في تونس، ورغم القيود بعد 2011، ما زال الإضراب يُمارس عبر الاتحاد العام التونسي للشغل دون مساطر معقدة أو عقوبات مالية بهذا الحجم.
من جانبها تبرر الحكومة النص باعتباره “ضماناً للتوازن بين الحق في الإضراب واستمرارية المرافق العامة”، وتحظى بدعم أرباب المقاولات الذين يعتبرون أن “وضوح القواعد القانونية يوفر الأمن القانوني للاستثمار ويجنّب المفاجآت”. لكن النقابات ترى فيه محاولة لنزع السلاح الوحيد الذي يملكه العمال في مواجهة هشاشة اجتماعية متفاقمة.
هكذا يتحول القانون من نص تنظيمي إلى ورقة في معركة أوسع حول موازين القوى بين حكومة تسعى لفرض الانضباط الاجتماعي، وحركة نقابية متمسكة بورقة الضغط الأخيرة. فيما التاريخ النقابي في المغرب يبرهن أنّ أي مسّ بالحقوق المكتسبة في سياق الاحتقان لا يُطفئ النار، بل يشعلها أكثر.







