في وقت تستعد فيه الدار البيضاء لارتداء ثوب جديد استعدادًا لاحتضان كأس إفريقيا 2025 وكأس العالم 2030، فجّر مشروع تصميم التهيئة الخاص بمقاطعة المعاريف موجة جدل عارمة، بعدما حمل قرارات وصفت بـ”الصادمة”، على رأسها المنع التام لتثبيت الصحون الهوائية فوق أسطح وواجهات البنايات، وتحويل سوق درب غلف الشهير إلى فضاء عمومي، بما يهدد بنسف تاريخ طويل ومصالح مئات التجار والمهنيين.
الوثيقة التي وُضعت رهن إشارة العموم إلى غاية 10 أكتوبر المقبل لا تقف عند حدود منع “البارابول” باعتباره مشوهًا للمنظر العام وخطرًا على سلامة المارة، بل تفرض رؤية عمرانية جديدة بالكامل، تُعيد رسم ملامح واحدة من أكثر مناطق العاصمة الاقتصادية حيوية وغنى. فالمنطقة المعروفة بفيلاتها الراقية خلف شارع غاندي ستتحول إلى عمارات من صنف R+3، فيما تُخطط إقامة مبانٍ شاهقة تصل إلى R+9 خلف شارع الزرقطوني، وفندق بعلو 12 طابقًا خلف شارع روداني. أما درب غلف، الذي شكل لعقود سوقًا أسطوريًا للإلكترونيات، فيبدو أن مآله بات الحذف من المشهد التجاري وتعويضه بفضاء عمومي مفتوح.
وتبرر السلطات هذه الخيارات بضرورات تجميل المدينة وضبط مشهدها الحضري بما يليق بمدينة مرشحة لاحتضان تظاهرات عالمية، مستندة أيضًا إلى حوادث متكررة ناجمة عن سقوط الصحون الهوائية، وإلى انتشار بدائل رقمية تجعلها أقل أهمية. غير أن مصادر مطلعة، ترى أن القرارات ليست سوى “حبر على ورق” ما لم تُرفق بقدرة حقيقية على التنفيذ، مستحضرين فشل تجارب سابقة، مثل مشروع الطلاء الأبيض الموحد ومنع شرفات الألمنيوم، اللذين اصطدما بضعف المراقبة وتجاهل السكان.
وتشير المصادر ذاتها إلى أن فتح باب الملاحظات أمام العموم، وإن اعتبرته الجماعة لحظة ديمقراطية تمنح الساكنة والمهنيين فرصة للتأثير في الصياغة النهائية، فإن كثيرين يرونه مجرد إجراء بروتوكولياً لن يغير في الجوهر شيئاً، مستشهدين بتجارب سابقة في الرباط، حيث عُرض تصميم التهيئة ورغم الاعتراضات التي أبداها سكان عدد من الأحياء، لم يُثنِ ذلك السلطات عن المضي قدماً في قراراتها بهدم وإعدام أحياء سكنية مثل غربية وحي المحيط وغيرها.
وكانت جماعة الدار البيضاء، قد أطلقت مطلع الشهر الجاري، عملية البحث العمومي لإبداء الملاحظات والاعتراضات بشأن الوثيقة التنظيمية الجديدة، التي ستحدد ملامح التنمية العمرانية للمقاطعة لعشر سنوات مقبلة.
وأعلنت رئيسة المجلس الجماعي، نبيلة الرميلي، عن إيداع مشروع التصميم بمقر الجماعة وكذا بمقاطعة المعاريف، حيث وُضع رهن إشارة المواطنين وأصحاب الأملاك والعقارات للاطلاع عليه وتسجيل ملاحظاتهم في سجل خاص، وذلك ابتداء من 11 شتنبر الجاري إلى غاية 10 أكتوبر المقبل، في إطار ما ينص عليه القانون 12.90 المتعلق بالتعمير.
وتؤكد مصادر من داخل المجلس أن العملية تمثل خطوة جوهرية في مسار إخراج وثيقة تنظيمية مرجعية، من شأنها تحديد معالم التوسع العمراني وضبط استعمالات الأراضي داخل واحدة من أهم وأغلى مقاطعات العاصمة الاقتصادية.
بعد سنوات من التعثر… الرميلي تفتح باب الملاحظات حول تصميم تهيئة “المعاريف”







