قبل شهر، اهتزت فرنسا على وقع وفاة شخص في ضواحي نيس مباشرة على وسائل التواصل الاجتماعي، في “لايف” يشاهده عشرات الآلاف. “الستريمر” المعروف باسم جان بورمانوف، كان مشهورا على منصة “كيك” الأسترالية، يقدم محتوى يستقطب مئات الآلاف من المتابعين، يقوم على تعرّضه للإهانة والضرب من طرف أشخاص آخرين، بمن فيهم المتابعين الذين يدفعون من أجل البصق عليه وشتمه وصفعه وركله، دون أيّ حدود أو قيود، لتتحول الملهاة إلى مأساة: شخص ممدد بلا حراك فوق سرير، جرّاء كلّ العنف الذي تعرض له، وعشرات الآلاف يشاهدون… هذه نتيجة الركض وراء المال بكل الوسائل، لأن ما يجمع هؤلاء -الذين انتهى واحد منهم في القبر والبقية في السجن- هو البحث عن عائدات مالية عبر الشبكات الاجتماعية، مهما كلّف الأمر.
التسيب الذي تشهده بعض منصات التواصل الاجتماعي مخيف جدا، ويمكن أن يؤدي إلى جرائم فظيعة. إذا لم يَقتُل أشخاصا كما حدث مع بورنانوف فهو يقتل قيما ومبادئ، ويحول المجتمع إلى مسخ كبير، يصعب أن يعثر فيه الأفراد على بوصلة. لذلك تنكب الدول التي تحترم نفسها على وضع ضوابط وإطارات لعمل هاته المنصات، خصوصا تلك المعروفة بغياب جميع “الفيلترات” والخطوط الحمراء…
في المغرب بدل الانتباه إلى خطورة ذلك على أجيال من الشباب، يتم الترويج لرواد هاته المنصات، ودعوتهم إلى مناسبات رسمية وشبه رسمية، بل إشراكهم في مشاريع فنية بغية “الاستفادة” من شهرتهم، بكل انتهازية. رغم أن الأمر في النهاية يتعلق بظواهر شاذة، ينبغي أن تبقى على هامش المجتمع ومؤسساته.
الاستعانة بشخص مشهور على وسائل التواصل الاجتماعي بحثا عن نجاح جماهيري لفيلم أو مسلسل يسمّى في لغة النقد “دعارة فنية”، بكل بساطة. في وقت يعاني فيه عشرات الممثلين الموهوبين من البطالة. هناك فرق بين الفن وبين الإعلان. مشاهير “السوشل ميديا” يمكن أن يجدوا مكانا في الإشهار، لأنه مجال تجاري محض، يستعمل الفنّ بشكل براغماتي لبيع منتوجات في السوق، وشهرة شخص على وسائل التواصل الاجتماعي يمكن أن تنفع في هذه “البيعة وشرية”. أما المجال الفني فشيء آخر تماما. لكن عندما يتحول الممثل بخفة وتنطّع إلى مخرج، لا شيء يمنع “الستريمر” من التحول إلى ممثل… المشكلة في من يضيّع وقته معهما !
من يخرقون المواضعات على وسائل التواصل الاجتماعي، ويستقطبون كثيرا من المتابعين، ليسوا إلا صيغة رقمية، مزيدة ومنقحة، للشباب الضائع الذي يدخّن الحشيش أو يبيعه في راس الدرب. “الستريمر” السوقي مثل “البزناس”، كلاهما يتاجر في الممنوعات. ممنوعات رمزية في الحالة الرقمية، ومادية في حالة بائع الحشيش. باختصار، من يحترف الكلام السافل، ويستبيح القيم والمواضعات بحثا عن “الأدسنس”، لا يقلّ انحرافا عن مروّج المخدرات. وكلّ ممنوع مرغوب. جميعا أحببنا الجلوس مع الحشاشين في الدرب، لأنّ الضحك مضمون برفقتهم، “التبويقة” تحرّر الخيال، ومن يملك حسّ السخرية يصبح مشهورا في الحي أو المدينة، الكل يحب مجالسته وتقاسم قفشاته، تماما كما يحدث اليوم مع بعض المؤثرين، الذين يتناولون المعجون وحبوب الهلوسة، ويجمعون حولهم الآلاف على كيك وتيك توك وانستغرام…
في حالة “الحشاشين”، كان الآباء على الأقلّ يمنعون أبناءهم من مجالستهم، “باش ما يتبلاوش” وكي لا تفسد أخلاقهم ويضيع مستقبلهم، رغم أنّ كثيرا من المراهقين كانوا يراوغون أولياء أمورهم، ويحتفظون بعلاقات وثيقة مع “بزناس” الحيّ، للحصول على “المعلوم”، ولأن جلستهم مسليّة، والانحراف مغرٍ خصوصا في المراحل المبكرة من العمر.
في النهاية، الفرق بين “بزناس” الحي و”بزناس” تيك توك، أن الأول يعيش على هامش المجتمع، ويعرف أنه خارج القانون، والجميع يدعو له بالهداية، ولا أحد يجعل منه بطلا في فيلم سينمائي أو نجما في افتتاح مركز تجاري أو ضيفا على برنامج تلفزيوني أو قدوة للشباب…
الانحراف يبقى انحرافا، واقعيا أو افتراضيا، ومكانه على الهامش، في انتظار أن يتمكن المجتمع من القضاء على أسبابه، كي ينقرض تلقائيا. ما الذي سيستفيده الناس من شخص مطرود من المدرسة، يتعاطى المعجون، ويطلع “لايف” كي يتفوه بكلام سوقي، يكسّر كلّ الخطوط الحمراء اجتماعيا وثقافيا، بفجاجة لا تحتمل؟
وكم يضحكني من يشجع هذه العاهات، متوهّما أنها تساهم في تحرير المجتمع من التقاليد البالية، والدفع به نحو الحداثة! يكفي أن ننظر حوالينا لنكتشف أن المجتمعات الحديثة والمتحررة فعلا، تحارب هاته الظواهر بلا هوادة، بسنّ قوانين ووضع ضوابط، وعبر تحصين المواطن بالثقافة والتربية. المشكلة عندنا في إفلاس النظام التربوي والفراغ الثقافي الفظيع الذي تعيشه البلاد. الجمعيات ودور الشباب والجرائد والأحزاب… كلها أفلست، ولم يعد المراهق يجد متنفسا إلاّ في وسائل التواصل الاجتماعي… البلاد تمشي على رأسها، واذا لم نتدارك الوضع ونتخذ الاحتياطات اللازمة، ستضيع أجيال كاملة من المغاربة، شباب بلا قيم ولا مبادئ، وبلا حاضر ولا مستقبل، نشاطهم الوحيد، في الصباح والمساء، هو التسكّع في سوق العاهات الرقمية !
متحف العاهات الرقمية







