تتضاربُ الروايات حول ملابسات اختفاء الجنرال الجزائري عبد القادر حدّاد، المعروف بلقب «ناصر الجِنّ»، الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات الداخلية (DGSI). ففي حين تؤكد مصادر جزائرية معارضة أنه فرّ نحو إسبانيا على متن قارب سريع شبيه بـ«قوارب الهجرة»، تتداول تحليلات في الصحافة الإسبانية مسارَ مروحيةٍ عسكرية أمريكية فوق غرب المتوسط بالتزامن مع الاختفاء، بينما تنفي البحرية الأمريكية أيّ دورٍ في «عملية استخلاص».
وبسبب هذا التطور تعيش العاصمة الجزائرية منذ أيام على وقْع تشديدٍ أمني غير مسبوق.
رواية «القارب» وتحركات أمنية واسعة
في 20 شتنبر، نقلت صحيفة The Objective الإسبانية عن معارضين وناشطين جزائريين أن الجنرال حدّاد، المُقال في ماي 2025 والخاضع لإقامةٍ جبرية، فرّ إلى السواحل الإسبانية على متن قارب سريع بمساعدة ضباط مقرّبين، ما استدعى إغلاق نقاط العبور مع تونس بأمرٍ من رئيس الأركان سعيد شنقريحة، وانعقاد اجتماعٍ طارئ لـ«المجلس الأعلى للأمن». كما أُشير إلى إقالاتٍ وتحركات داخليّة في قمة الأجهزة، بينها إنهاء مهام جنرالٍ بارز في الأمن العسكري. وتصف هذه الشهادات ما يجري بأنه «هزّةٌ داخل النظام» كشفت ثغرات الرقابة على كبار الضباط.
بالموازاة مع ذلك، قالت صحيفة “لوموند” الفرنسية في 20 شتنبر إن الجزائر شهدت «حُمّى أمنية» وانتشارًا واسعًا للحواجز والتدقيقات في العاصمة ومحيطها عقب الاختفاء، معتبرةً أن القضية أظهرت صراعات أجنحة داخل النظام.
“مهمة روتينية” أم تغطية جوّية؟
في 23 شتنبر، نشرت The Objective تحليلًا لمسار مروحية MH-60R Seahawk تابعة للبحرية الأمريكية، أقلعت ليل 17 شتنبر من المدمّرة USS Roosevelt بعد مغادرتها قاعدة روتا بجنوب إسبانيا، وحلّقت أكثرَ من ثلاث ساعاتٍ على ارتفاع منخفض على محاذاة الساحل الجزائري ضمن نمطٍ طيراني شبيه بمهمّات المراقبة أو الإسناد (overwatch). غير أنّ الأسطول السادس الأمريكي نفى للصحيفة «قطعًا» أيّ مشاركة في «استخلاصٍ بحري»، وقال إن المروحية كانت في «مهمةٍ روتينية»، من دون تأكيدٍ لوجهة حدّاد أو وضعه. وتؤكد الصحيفة نفسها أنّ البيانات المتاحة لا تسوّغ الجزم بوجود عملية تهريبٍ جو-بحرية، وأن مسار الطيران يمكن أن يندرج أيضًا في سياق دورياتٍ اعتيادية.
من هو «ناصر الجِنّ»؟
تفيد المعطيات المنشورة في الصحافة الإسبانية بأن حدّاد تبوّأ رئاسة الاستخبارات الداخلية بين يوليوز 2024 وماي 2025، قبل أن يُعفى ويُوضَع تحت المراقبة بفيلا في أعالي العاصمة. وتستحضر التقارير سيرته المثيرة للجدل منذ «العشرية السوداء»، كما تشير إلى أنه عاش في فتراتٍ سابقة بإسبانيا ثم عاد إلى الواجهة قبل عامين. هذه الخلفية تُفسِّر حساسية الملفّ داخليًا وتُغذّي التكهنات حول صراعاتٍ في قمة الأجهزة.
دلالات سياسية
يرى مراقبون أن حادثة اختفاء رئيسٍ سابق لأخطر جهازٍ أمني في البلاد، وما رافقها من قراراتٍ داخلية وتشديدٍ أمني، تُشير إلى اهتزازٍ داخل البنية الصلبة للنظام وإلى تنافس أجنحة على إدارة مرحلة ما بعد الإقالات الأخيرة. هذا ما ألمحت إليه “لوموند” وهي ترصد «صراع فصائل» و«حمّى أمنية» أعقبت الواقعة. ومع أنّ بعض السرديات (قاربٌ سريع، تغطيةٌ جوية أمريكية) تبقى غير محسومة، فإن تزامنها مع إجراءاتٍ على الأرض يعكس حجم الارتباك الذي أصاب مراكز القرار.







