لم يعد نيكولا ساركوزي يحمل فقط صفة الرئيس الأسبق لفرنسا، بل أصبح أيضا الرئيس السابق “لعصابة إجرامية”… هذا ما أقرّته محكمة باريس الخميس، حين أدانته بخمس سنوات سجنا بتهمة “تكوين عصابة إجرامية” في قضية التمويل الليبي لحملته الرئاسية للعام 2007، بعد تحقيق استغرق 10 سنوات.
لعنة القدافي انتصرت في النهاية، وهاهو المسؤول الأول عن مأساة العقيد ودمار ليبيا ينتهي في السجن، ليكون أول رئيس في تاريخ الجمهورية الخامسة يودع وراء القضبان…
إذا استثنينا فيليب بيتان (1856-1951)، الذي حكم فرنسا إبان الحرب العالمية الثانية، على رأس حكومة فيشي المتعاونة مع النازية، علينا الرجوع إلى الملك لويس السادس عشر (1754-1793)، كي نعثر على حاكم فرنسي يدخل السجن، لذلك كان للحكم وقع الزلزال، خصوصا في معسكر اليمين، الذي صُعِق وهو يرى زعيمه التاريخي ينتهي وراء القضبان، كأيّ مجرم.
ردود الفعل في حزب “الجمهوريين” تراوحت بين الدفاع عن الزعيم دون التعرض للقضاء، وبين الهجوم المباشر على العدالة، والتنديد ب”جمهورية القضاة” وب”تغلغل اليسار في السلك القضائي”… وبقية الترسانة الهجومية التي يخرجها اليمين كلما اقترب القضاء من واحد منهم.
فيما انحاز اليسار إلى العدالة، وفضّل معظم زعمائه عدم التعليق على الحكم، في إشارة إلى احترامهم لمبدإ فصل السلطات. مَن أخذوا الكلمة منهم، دافعوا عن القضاة، مثل سيغولين روايال، الاشتراكية التي تنافست مع ساركوزي في رئاسيات 2007، التي اعتبرت الحكم على غريمها السابق “خبر محزن لفرنسا”، لأنه يؤكد أن من يحكمون البلاد “ليسوا في مستوى قوانين الجمهورية” وأنهم “لم يلتزموا بالمبادئ التي يفترض أنهم يجسدونها”…
أما اليمين المتطرف، فقد أبدى تعاطفا واسعا مع ساركوزي وهاجم القضاء بشراسة، خصوصا مبدأ “التنفيذ الفوري” للعقوبة. وكما يقول الشاعر: “ويبكي على مات دمعي وماله/ بكيت ولكن بكيت على نفسي”… اليمين المتطرّف لا يدافع عن ساركوزي في الحقيقة بل عن زعيمته مارين لوبان، التي أدانتها المحكمة في قضية الوظائف الوهمية بالبرلمان الأوربي، بسنتين سجنا نافذة والحرمان من أهلية الترشح لمدة خمس سنوات، مع “التنفيذ الفوري”، مما من شأنه أن يحرمها من الترشح للانتخابات الرئاسية عام 2027… إذا ظهر السبب بطل العجب !
بخلاف ديمقراطيات الشمال الأوربي، فرنسا غير متعودة على الصرامة في محاكمة كبار المسؤولين، رغم تورّط كثير منهم في قضايا من العيار الثقيل، من النادر أن تجد من صدر في حقه حكم بالسجن، وإذا ماحدث ذلك يجدون الحل دائما كي يتفادى الزنزانة.
ما عدا استثناءات قليلة، مثل حالة جيروم كاهوزاك، وزير الموازنة في حكومة فرانسوا هولاند، الذي حكم عليه القضاء بسنتين حبسا نافدة عام 2018، على خلفية كذبه بشأن حساب مصرفي في الخارج، علما أن كاهوزاك يظل مسؤلا من الدرجة الثانية، ولم يقض عمليا وراء القضبان إلا بضعة أشهر، ما تبقى من العقوبة أمضاها في بيته مراقبا بسوار إلكتروني.
أما دومينيك ستروس-كان، فما كان أبدا ليدخل السجن لو بقي في فرنسا، رغم أن القاصي والداني يعرف قصصه مع التحرش، كان لا بدّ أن يصبح مديرا لصندوق النقد الدولي ويذهب إلى الولايات المتحدة الأمريكية كي يتم اعتقاله في حالة تلبّس!
ثم هناك حالة موريس بابون (1910-2007)، السياسي المخضرم، الذي تقلّب في عدد من المناصب الرفيعة كوزير وموظّف سامٍ في الدولة. في التسعينيات، تفجرت قضية تورطه في ترحيل يهود فرنسيين إلى معسكر أوشفيتز من بوردو حيث كان يشغل منصبا رفيعا في محافظة المدينة، وكرّت السبحة، ثم ظهرت مسؤوليته في جريمة أخرى تتعلّق برمي عشرات الجزائريين في نهر السين خلال احتجاجات 17 أكتوبر 1961 عندما كان محافظا لباريس، إبّان حرب الجزائر… وبعد محاكمة تاريخيّة، أُدين بابون بعشر سنوات سجنا بتهمة التواطؤ في ارتكاب جرائم ضد الإنسانية في 1999، لكنه لم يقض منها إلا ثلاث سنوات، حيث غادر السجن في 4 مارس 2022 بحجة تدهور وضعه الصحي، وقتها وصف تقرير طبي بابون بأنه “مقعد وعاجز”، لكنه ظهر في الصور وهو يغادر السجن مهرولا مثل حصان، مما خلف استياء واسعا في صفوف عائلات ضحاياه…
هناك نوع من التواطؤ بين النخبة السياسية الفرنسية، من كلّ الأطياف تقريبا، لتفادي دخول المسؤولين الكبار إلى السجن، مهما كانت القضايا التي يتورطون فيها. الحكم الذي صدر في حق ساركوزي، يؤذن بانهيار عقيدة سرية بين الفرقاء السياسيين، تقضي بمنح حصانة غير معلنة لكبار المسؤولين ما لم يحدث احتيال على العدالة في آخر لحظة، كأن يقدّم المحامون تقريرا طبيا يعفي ساركوزي من الحبس على غرار موريس بابون !
بعد صدور الحكم، وفيما كان الصحافيون متكدسين بكاميراتهم أمام قاعة المحكمة، أقدمت كارلا بروني، زوجة ساركوزي، في حركة مضحكة، على نزع قبعة ميكروفون “ميديابارت”… هكذا ذكرتنا الفنانة الأرستقراطية بأن موقع إيدوي بلينيل هو صاحب الفضل في كشف هذه القضية، قبل أكثر من 10 سنوات. عندما تكون الصحافة مستقلة فإنها تصبح سلطة حقيقية، تساعد على تحقيق العدالة ومراقبة الشأن العام !
اعتقال نيكولا ساركوزي.. سقوط عقيدة فرنسية !







