عاد تحقيق لوكالة رويترز ليسلط الضوء على عمق أزمة القطاع الصحي في المغرب، مبرزا حالات إنسانية صادمة تكشف التناقضات الصارخة بين ما يرفعه المسؤولون من شعارات الإصلاح وما يعيشه المواطنون يوميا أمام أبواب المستشفيات العمومية.
الحكاية التي افتتحت بها الوكالة تقريرها تعود لسيدة تدعى فاطمة، اضطرت إلى مكابدة آلام المخاض أمام بوابة مستشفى بالقنيطرة، على بعد 40 كيلومترا من الرباط، قبل أن يُسمح لها بالدخول بعد أن أوشكت على الوضع في الشارع، فيما كان جنينها في خطر بسبب التفاف الحبل السري حول عنقه. ورغم نجاتها، وجدت نفسها مطالبة بأداء نفقات وأدوية لم تستطع توفيرها إلا بمساعدة “محسنين”، في مشهد يلخص معاناة آلاف الأسر المغربية.
التحقيق أشار إلى أن ما عاشته فاطمة ليس حالة معزولة، بل يتكرر في مستشفيات عمومية عدة، حيث وضعت نساء على الأرصفة أو في حدائق المستشفيات أو في أجنحة غير مؤهلة، بينما يواجه سكان القرى والمناطق الجبلية ظروفا أكثر قسوة، إذ يُنقل المرضى على ظهور الدواب عبر مسالك وعرة لغياب المراكز الصحية.
وتتواتر شكاوى المواطنين من سوء المعاملة، تفشي الرشوة، والمحسوبية، إضافة إلى ضعف التجهيزات. واقع يعكسه ترتيب المغرب في مؤشر الرعاية الصحية العالمي لسنة 2025، حيث جاء في المرتبة 94 من أصل 99 بلدا. وتكشف الأرقام الرسمية لسنة 2024 عن وجود 15 ألف طبيب فقط في القطاع العام لخدمة أكثر من 36 مليون نسمة، أي بمعدل أربعة أطباء لكل عشرة آلاف مواطن، وهو رقم بعيد عن المعايير الدولية.
وتابع التحقيق مشيرا الى أن الاحتقان الاجتماعي بلغ ذروته خلال الأيام الماضية بعدما نُظمت احتجاجات أمام مستشفى الحسن الثاني بأكادير، الذي أطلق عليه المواطنون اسم “مستشفى الموت” بعد وفاة ثماني نساء حوامل داخله في أقل من شهر. ورفع المحتجون شعارات تطالب الحكومة بمنح الأولوية للصحة والتعليم بدل التركيز على الاستثمارات المرتبطة باستضافة كأس العالم 2030 أو إنشاء مشاريع ضخمة مثل “مدينة الألعاب الإلكترونية”.
التحقيق أبرز أن التناقضات في النموذج التنموي المغربي ليست خافية حتى على رأس الدولة، حيث أقر الملك محمد السادس في خطاب العرش الأخير بوجود “مغرب بسرعتين”، أحدهما يتقدم بخطوات ثابتة في قطاعات حيوية، وأخرى تعيش الفقر والهشاشة وغياب البنيات الأساسية.
ولفت تحقيق رويترز الى أن الضغط الشعبي دفع وزير الصحة أمين التهراوي إلى زيارة بعض المستشفيات وعزل مدير مستشفى الحسن الثاني ومسؤولين آخرين، بينما التزمت الوزارة الصمت تجاه طلب رويترز للتعليق، شأنها شأن مسؤولين حكوميين آخرين.
غير أن جذور الأزمة، كما يرى خبراء تحدثوا للوكالة، أعمق من مجرد قرارات إدارية آنية. إذ يشير أساتذة جامعيون ونشطاء حقوقيون إلى أن السياسات الصحية تأثرت بتوصيات المؤسسات الدولية والبرامج التقويمية التي دفعت الدولة إلى رفع يدها تدريجيا عن الخدمات الاجتماعية. واعتبروا أن أنظمة التغطية الصحية الإلزامية، التي تم إقرارها عام 2021، تحولت في واقع الأمر إلى وسيلة لتقليص مجانية العلاج بدل ضمانها للفئات الهشة.
وبحسب المصدر ذاته، فإن النتيجة الواضحة اليوم هي تراجع المرفق العمومي مقابل تغول القطاع الخاص، ما يجعل المواطن البسيط بين كلفة باهظة في عيادات لا تضمن دائما الجودة، ومستشفيات عمومية تئن تحت وطأة ضعف الإمكانات. أزمة تركت، كما يقول ناشط حقوقي لرويترز، “المواطن المغربي أمام خيارين أحلاهما مر: إما جيوب تستنزفها المصحات الخاصة، أو أبواب مستشفيات عمومية مغلقة في وجه المرضى”.







