منعطف خطير أخذته الاحتجاجات التي انطلقت تعبر عن مطالب الصحة والتعليم، قبل أن تنقلب الأمور إلى أحداث شغب ونهب واعتداءات على الممتلكات العامة والقوات العمومية، في مشهد أثار موجة رفض واسعة تجاه سلوكيات عنيفة.
في ساعات قليلة، تحولت مشاهد الشباب “الواعي” الذي يستفسر بكل مسؤولية رجال الأمن عن سبب اعتقالهم وتعنيفهم والتفنن في ملء “السطافيطات” بهم، إلى مشاهد من العنف والتخريب التي تسائلنا اليوم وتسائل المنظومة العامة عن هؤلاء الذين حولوا مطالب معقولة لمجموعة من الشباب إلى أحداث قد تعود بنتائج عكسية.
لكن دعونا نعود إلى الوراء قليلا، وبالضبط إلى ماي 2024 لحظة صدور تقرير المجلس الاقتصاد والاجتماعي والبيئي حول ظاهرة “شباب نيت”، أي شباب لا يشتغلون، ليسوا بالمدرسة، ولا يتابعون أي تكوين. فقد شكل هذا التقرير جرس إنذار تعامل معه رئيس الحكومة بحساسية مفرطة، وتساءل عن سياق طرحه وهو يقدم حصيلته أمام البرلمان، بل إن “الترسانة الإعلامية” الموالية لأخنوش و”ذبابه الإلكتروني” تفننوا في تقريع الشامي و”شيطنة” مرامي تقريره.
كما خرج علينا الناطق الرسمي، الذي فقد حاسة النطق هذه الأيام، بصدر منفوخ ليتفنن في “تكذيب” أرقام الشامي، وإبراز “منجزات” حكومته.. وهي الخرجة التي تسببت في حرب كلامية بين “التجمعيين” و”الاتحاديين” آنذاك.
في تلك اللحظة خرج أحمد رضى الشامي، الذي كان رئيسا للمجلس، ليكشف أن أن 4.3 ملايين شابة وشاب مغربي ما بين 15 و34 سنة “لا يشتغلون وليسوا بالمدرسة ولا يتابعون أي تكوين”، داعيا إلى العمل على إدماجهم اقتصاديا اجتماعيا.
وقال الشامي، إن فئة “نيت” بالمغرب “تتسم بالهشاشة وتواجه أشكالا متعددة من الإقصاء ببقائها خارج منظومة الشغل والتعليم والتكوين المهني، بالإضافة إلى ما يترتب عن استمرار إقصاء هؤلاء الشباب من تداعيات خطيرة تهدد تماسك المجتمع والسلم الاجتماعي من خلال تعميق مظاهر الفقر والهشاشة والفوارق، وتغذية الشعور بالإحباط والأزمات النفسية ما قد يؤدي إلى الانحراف والتطرف والهجرة السرية.
وبدل أن يشكل هذا التقرير والتوصيات التي صدرت عنه منطلقا لمعالجة هذا الواقع المقلق، اختار رئيس الحكومة الرد بطريقة مختلفة حين اعتبر أن خلاصات هذا التقرير لم تقدم جديدا وأن توصياته غير مقنعة ولا يمكن للحكومة الاشتغال بها.
وعبر رئيس الحكومة عن خيبة أمله من مخرجات رأي المجلس الاقتصادي والبيئي قائلا: “كنت أتمنى ألا يكون الجديد الحديث عنهم (شباب نيت)، وأن نجد حلولا، ورأيت الحلول التي قدمها المجلس ووجدتها غير مقنعة ولا يمكنني أن أشتغل بها كحكومة وأطبقها”.. ذلك أن “رجل الأعمال”، الذي لا يجيد إلا لغة الأرقام التي تدر مدخولا بالملايير، لا يتحمل أن يذكره أحد، حتى ولو كان مؤسسة حكامة، بأرقام البؤس والفقر والهشاشة.
اليوم، في سياق هذه الأحداث المرفوضة، وبعد أزيد من سنة على صدور التقرير، بات لازما التحرك بشكل مستعجل لإعادة النظر في كثير من السياسات التي تركت ملايين الشباب على الهامش، بعيدا عن مساحيق التجميل التي يحاول وضعها بعض المحظوظين الذي يحسنون أكل الكتف، لكنهم يتوارون عن الأنظار حينما يواجه الوطن مثل هذه الأزمات.. محظوظون قال “كبيرهم” الذي علمهم “تخراج العينين” ذات يوم بنبرة لا تخلو من تهديد: “للي ناقصاه التربية نربيوه”، لكنه ما إن تسبب بسياساته “العرجاء” في “تشخيضها” حتى توارى إلى الوراء، متخفيا وراء دروع و”سطافيطات” الأمن، الذي وجدت قواته نفسها أمام شباب متحمس بمطالب مشروعة، وفي أحيان أخرى “طائش” تسبب في أحداث مؤسفة.. بينما “موظفوه”، عفوا وزراؤه، الذين لا يحسنون العمل ولا الكلام، بقوا يتفرجون على “كوارثهم” وقد صارت لها أرجل تمشي في الشوارع، وتفتح باب الأحداث على ما هو أسوأ ما لم يتحرك العقلاء والنزهاء لتهدئة الأوضاع وإصلاح ما يمكن إصلاحه.. ورأب الهوة مع جيل لا يعترف بالطابوهات المصطنعة ولا التطمينات الزائفة.. ولا يخاف “السطافيطات”، جيل يداعب “أوامر التوقيف” بعبارة مازحة: “وادينا آ الشاف غير واقفين”!!
“جيل NEET”.. ناقوس الخطر الذي قرعه الشامي ولم يوقظ أخنوش







