كشفت احتجاجات “جيل زيد” التي اندلعت قبل أزيد من أسبوع في عدد من المدن المغربية، عن هشاشة مقلقة في أنظمة حماية الأرشيف البنكي، بعدما انتشرت وثائق مالية وشخصية حساسة في الشوارع إثر اقتحام وإحراق وكالات بنكية في إنزكان والقليعة وأيت اعميرة وسلا. الصور ومقاطع الفيديو التي غزت منصات التواصل الاجتماعي أظهرت عقود قروض، نسخ بطائق تعريف، وأرقام حسابات متناثرة في الأرصفة، في مشهد أعاد إلى الواجهة سؤالاً ملحًّا حول مدى قدرة البنوك المغربية على تأمين بياناتها في حالات الطوارئ.
الواقعة حدثت في اليومين الثالث والرابع من الاحتجاجات، حين استغل مجهولون حالة الفوضى لاقتحام عدد من الوكالات البنكية وإضرام النار داخلها، مما أدى إلى تطاير وثائق أرشيفية حساسة في محيطها. وبعيدًا عن الأضرار المادية المباشرة، سلطت هذه الأحداث الضوء على خطر أكبر يتمثل في تسرب بيانات قد تُستغل من قبل أطراف مجهولة، في سنة اتسمت أساسًا بارتفاع وتيرة الهجمات السيبرانية التي طالت مؤسسات حكومية ومرافق عمومية.
الخبير المالي مصطفى الشاوي قال في تصريح لـ«نيشان» إن ما حدث “يعري ثغرات غير مفهومة في منظومة حماية البيانات البنكية”، مضيفًا أن الوثائق التي ظهرت “يمكن أن تشكل مادة دسمة لشبكات النصب والاحتيال وتزوير الهويات، بل ويمكن بيعها في السوق السوداء”. واعتبر أن هذا النوع من التسرب “لا يقل خطورة عن اختراق إلكتروني شامل، بل قد تكون عواقبه أكثر تعقيدًا لأنه يصعب تتبع مسار الوثائق بعد خروجها إلى العلن”.
من جانبه، أكد صابر السرغيني، الخبير المختص في أمن نظم المعلوميات، أن القانون 09-08 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي “يلزم المؤسسات البنكية بضمان الحماية الشاملة للمعطيات، سواء كانت رقمية أو ورقية”، محذرًا من أن غياب بروتوكولات واضحة للتعامل مع حالات الشغب أو الكوارث “قد يفتح الباب أمام مسؤوليات قانونية وتعويضات ثقيلة لفائدة المتضررين”.
في المقابل، اختارت البنوك المعنية الصمت، دون إصدار أي بلاغ رسمي أو توضيح للرأي العام حول حجم الوثائق المسربة أو التدابير المتخذة. مصدر بنكي أوضح لـ«نيشان» أن عدداً من الوكالات “لا تتوفر على خزائن فولاذية للوثائق، وأن التركيز في الغالب ينصب على حماية الأنظمة المعلوماتية، فيما يبقى الأرشيف الورقي الحلقة الأضعف”.
على الجانب الآخر، أظهرت تجارب دولية أن مواجهة مثل هذه الحالات تتطلب تدخلاً فوريًا وحماية استباقية. ففي فرنسا سنة 2018، استعادت البنوك وثائقها خلال أقل من 24 ساعة بعد أحداث “السترات الصفراء”، وأبلغت زبناءها فرديًا. وفي جنوب إفريقيا سنة 2021، أُطلقت خطة طوارئ لحماية الأرشيف البنكي خلال الاحتجاجات. أما في المغرب، فتبقى الصور المنتشرة لوثائق الزبناء في الشوارع شاهدة على خلل بنيوي لم تُعلن بعد أي خطة واضحة لمعالجته.







