كنا نعرف أن للمغرب روافد أفريقية ومتوسطية وأندلسية وعبرية… وها نحن نكتشف أن له أيضا روافد هندية… أجل هندية!
لقد شككنا في البداية، عندما رأينا مسحة سيريلانكية لا تخطئها العين على وجوه جمهور “موازين”، اعتقدنا أن المغاربة أصبحوا “قهويين” فقط بسبب الشمس، أو لأنهم يحبون شيرين عبد الوهاب، مصداقا لقول الحلاج : “أنا من أهوى ومن أهوى أنا”… لكن الصورة سرعان ما توضحت بعد أن وصلت إلى المملكة تظاهرات “جيل Z”، محفوفة بالأخ Piwpiw، علما أنها ولدت في الهند والبلدان المجاورة، وسمتها الصحافة العالمية ب”الربيع الآسيوي”، نسبة إلى شعوب جنوب آسيا… الحمد لله. كلما مرت جائحة ضربتنا في طريقها. من أين يأتي النحس؟ شكون اللي دعا فينا؟
“جيلZ” خرج إلى الشارع كي يؤكد أنّ العمق الهندي للمغرب حقيقة لا غبار عليها، اللون “القهوي” لم يسببه الغبار أو الشمس أو شيرين، بل علاقات غامضة مع بنغلادش والفلبين وسيريلانكا والنيبال… رغم أن البعض يعتقد جازما أن الاحتجاجات مدبّرة من الخارج، ليس من الهند ونواحيها بل من الجارة الشرقية، أو من أجهزة دولية متخصصة في صناعة الثورات الملونة، أو من الذكاء الاصطناعي… واسمحوا لي أن أضيف “نوتة” إلى سمفونية “التناوي” وأطرح سؤالا بسيطا : أليس غريبا أن تصل رياح “الربيع الهندي” إلى المغرب في الوقت الذي اختفى فيه “الكرموص الهندي” من السوق؟
بعيدا عن “الكرموص” وشوكه، لا يمكن فهم احتجاجات “جيل Z” بمعزل عن الديموغرافيا. لا بدّ من قراءة إيمانويل تود، الذي تنبأ بالثورة الإيرانية وبسقوط الاتحاد السوفييتي، بناء على تحليل المعطيات الديمغرافية، وألف كتابا قيّما حول “الربيع العربي” تحت عنوان : “الله لا دخل له!”… مؤلف “السقوط الأخير” يعتبر أنّ تحقق مجموعة من الشروط الديمغرافية يجعل الثورة حتمية، وعلى رأس هذه الشروط توسع قاعدة الشباب في المجتمع، لأنهم يميلون إلى التمرد والمغامرة والاحتجاج. الإحصائيات تشير إلى أن 8,2 مليون مغربي تقل أعمارهم عن 29 عاما، نسبة متقاربة مع النيبال وسيريلانكا وبنغلادش والفليبين مقارنة مع عدد السكان… لذلك وصل “الربيع الآسيوي” إلى المغرب !
طبعا، “شوية من الحنة وشوية من رطوبة اليدين”. عندما ينسدّ الأفق السياسي وتتقوى القبضة الأمنية، يأخذ الشارع الكلمة. وخلال السنوات الأخيرة، توسع نفوذ المؤسسة الأمنية، وتراجعت حرية التعبير، وأُغلِقَتْ أهمّ الصحف، وحلت مكانها مواقع متخصصة في التطبيل للمبادرات الرسمية والتشهير بالمعارضين، والقفز على كل الأعراف المهنية والضوابط الأخلاقية، كما انتشر الفساد بين السياسيين، أكثر من ثلاثين نائبا يوجدون في السجن، حتى أصبح البعض يطالب بفتح ملحقة للبرلمان في “عكاشة”. أمّا تضارب المصالح فقد أصبح رياضة شعبية عند المسؤولين، ووصلت سمعة الأحزاب إلى الحضيض. وبينما تزيد الخدمات الصحية تدهورا ويتقهقر التعليم وتستفحل البطالة بين الشباب، تتحوّل كرة القدم إلى رهان استراتيجي تصرف عليه الدولة ميزانيات ضخمة، لبناء الملاعب وتنظيم المنافسات…
باختصار، احتجاجات GenZ212 تكشف فشل ما يمكن أن نسميه ب”المقاربة الأمنية والكروية”، التي هيمنت على سياسات الدولة في السنوات الأخيرة. كما تفضح مأزق التشخيص من دون علاج. الجميع متفق أن البلاد تسير بسرعتين، لكن لا أحد يقترح وصفة لردم الهوة بين المركز والهامش. التشخيص معروف والعلاج مؤجل. الحكومة مشغولة بمصالحها المتضاربة. لقد حقق المغرب نجاحاتٍ لا غبار عليها، تتمثل في تحديث البنيات التحتية، وجلب الاستثمارات، وانتعاش السياحة… لكن بالمقابل، هناك مغاربة يعيشون بدون أبسط شروط الحياة، يموتون بسبب انعدام المستشفيات أو من جراء البرد والفيضانات… نحن إزاء نسختين من بلاد واحدة: النسخة المحلية التي يتكدّس فيها ملايين المهمشين والنسخة الدولية البرّاقة التي تُسَوَّق للعالم… آن الأوان كي نردم الهوة بين المغرب وموروكو !
المغرب وموروكو !







