بعد بيعه في شتنبر الماضي حصته من عملاق مراكز الاتصال المغربي “إنتلسيا” لمجموعة من رجال الاعمال المغاربة، يجد الملياردير الفرنسي من أصل مغربي باتريك دراحي نفسه اليوم أمام احتمال فقدان واحد من أكبر أركان إمبراطوريته الاقتصادية، ويتعلق الأمر بشركة الاتصالات الفرنسية SFR. ففي خطوة وُصفت في الصحافة الفرنسية بأنها “أشبه بمحاولة استحواذ جماعي”، قدمت ثلاث شركات كبرى في السوق الفرنسية، هي أورانج وبويغ تيليكوم وفري، عرضاً رسميا لشراء غالبية أسهم مجموعة Altice France، المالكة لـSFR، مقابل 17 مليار يورو.
العرض، الذي أكدت تفاصيله صحيفة لوموند الفرنسية وعدة مصادر اقتصادية، يستثني بعض الأصول التابعة لدرّاحي، على رأسها شبكة الألياف البصرية XP Fibre، وفرع مراكز الاتصال Intelcia بالمغرب، الذي كان دراهي قد تخلى عن حصته البالغة 65% منه لصالح مستثمرين مغاربة تحت ضغط الأزمة المالية المتفاقمة. ورغم أن قيمة العرض الإجمالية تُقدَّر بحوالي 21 مليار يورو، فإنها تأتي في ظرف بالغ الحساسية بالنسبة لدرّاهي، الذي أنهى بداية أكتوبر عملية إعادة هيكلة مالية ضخمة خفّض عبرها ديون مجموعته من 24 إلى 15.5 مليار يورو، في محاولة يائسة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من إرثه الاقتصادي المترامي بين باريس والدار البيضاء وتل أبيب.
مصادر قريبة من المفاوضات تحدثت للصحافة الفرنسية عن عرض “سخيّ تجاه المساهمين”، وقادر على “طمأنة الدائنين وضمان سداد كامل للديون”، فيما رأى أوليفييه روسا، المدير العام لمجموعة بويغ، أن العرض “مغْرٍ للبائع لأنه يقدّم تقييماً جذاباً”. غير أن تنفيذ العملية، في حال قبول دراحي، سيحتاج إلى موافقات تنظيمية معقدة، إذ يُنتظر أن تراجعها الحكومة الفرنسية وهيئة تنظيم الاتصالات (Arcep) وسلطات المنافسة، التي لا تُخفي عادةً تحفظها على مثل هذه الصفقات خوفاً من تقلّص المنافسة وارتفاع الأسعار في سوق الاتصالات الفرنسية.
وفي تصريحات سابقة مطلع الشهر الجاري، قال آرثر دريفوس، الرئيس التنفيذي لشركة Altice France، إن المجموعة “ستدرس أي عرض يُقدَّم دون محظورات أو خطوط حمراء”، لكنّ محللين في باريس يشككون في إمكانية إنجاز الصفقة قبل منتصف سنة 2027، نظراً لتشابك الأصول وتداخل الديون التي تُثقِل كاهل إمبراطورية دراهي.
وكانت لوموند قد كشفت منتصف شتنبر الماضي عن عملية بيع “درامية” لأسهمه في “إنتلسيا” المغربية، الشركة التي توظف آلاف العمال وتُعدّ من أكبر مشغلي مراكز الاتصال في إفريقيا. البيع الذي وُقّع بعد اجتماع مغلق لكبار مسؤولي المجموعة، نقل 65% من الأسهم إلى ما وُصف بـ“مكاتب عائلية مغربية”، أي مستثمرين يعملون لحساب عائلات ثرية داخل المملكة. هذه الخطوة فسرتها الأوساط الاقتصادية حينها بأنها إشارة واضحة إلى “تخلّي دراحي عن أطراف من شبكته الاقتصادية لتسوية ديونه الأوروبية”، خصوصا بعد الفضائح التي طالت مساعده المقرب أرماندو بيريرا في قضايا فساد وتبييض أموال بالبرتغال سنة 2023.
اليوم، يبدو أن الملياردير المثير للجدل الذي أقام جزءا من نشاطه في الدار البيضاء يواجه مأزقا وجوديا قد يعصف بما تبقى من نفوذه في سوق الاتصالات الأوروبية. فبعد أن فقد “جوهرة مراكزه الهاتفية” في المغرب، قد يكون على وشك خسارة SFR، ثاني أكبر مشغّل في فرنسا، في ما يشبه سقوطًا متدرجًا لرجل ظلّ يجمع بين المال والإعلام والسياسة تحت شعار “الاقتراض للتمدد”، قبل أن يصبح الدين نفسه السكين التي تتهدد عنقه.







