تعيش مدينة كلميم على وقع جدل جديد بعد إعلان مجموعة “العمران للجنوب” عن طلب عروض ضخم يحمل رقم 43/2025، يتعلق بأشغال إعادة تأهيل واجهات الشوارع والمحاور الرئيسية بالمدينة، بكلفة تقديرية تناهز ملياري سنتيم. غير أن هذا الإعلان، الذي قُدم في صيغة تقنية جافة تتحدث عن “جمالية المشهد الحضري”، تحوّل بسرعة إلى موضوع سجالي بين ساكنة المدينة وفعالياتها السياسية والمدنية، التي رأت فيه عنوانا صارخًا لاختلال ترتيب الأولويات في واحدة من أفقر جهات المملكة.
الصفقة التي ستُفتح أظرفتها في جلسة عمومية يوم 29 أكتوبر الجاري بمقر “العمران الجنوب” بمدينة العيون، تتضمن أشغالاً تندرج ضمن ما تسميه الوكالة “تأهيل الواجهات”، وهي العبارة التي صارت تتكرر في وثائق عمومية عديدة خلال السنوات الأخيرة حتى فقدت – بحسب المصادر – معناها الفعلي.
وتشير المصادر نفسها، أن المدينة التي تعاني من هشاشة البنيات التحتية وتراكم النفايات وتراجع الخدمات الصحية، تجد نفسها مجدداً أمام مشروع “تزييني” يبتلع ما يقارب ملياري سنتيم من المال العام، في وقت لا يملك فيه مستشفاها الإقليمي سكانيراً منذ أكثر من ثلاثة أشهر.
الانتقادات هذه المرة جاءت حادة، خاصة من المعارضة داخل مجلس الجهة. المستشار “إبراهيم حنانا”، عبّر في تصريح لموقع نيشان عن غضبه مما وصفه بـ “العبث الذي ينخر الجهة”، قائلاً “نستنكر هذا العبث الذي صار قاعدة لا استثناء. كيف يُعقل أن تغرق المدينة في الأزبال، وتُترك الأحياء مهمشة، والمستشفى بلا سكانير، ثم نخصص مليارات لصباغة الواجهات؟ هذه تفاهة تنموية مقنّعة يجب أن تتوقف، ونطالب بلجان تفتيش للتحقيق في طريقة تدبير الميزانيات الجهوية.”
ويبدو أن هذا الغضب الشعبي والسياسي لم يأتِ من فراغ. فقبل أشهر فقط، أثار مجلس جهة كلميم – واد نون الجدل ذاته حين خصص بدوره ميزانية قدرها 20 مليون درهم لصباغة واجهات البنايات بالمدينة، في إطار مشروع ممول جزئياً من وزارة إعداد التراب الوطني والإسكان. وباتت هذه المشاريع المتكررة، وفق متابعين، أشبه بـ“ماركة مسجلة” في التدبير الترابي للجهة، حيث تحضر الصباغة في كل دورة وتغيب عنها برامج التنمية الحقيقية.
وحسب المعطيات التي سبق نشرها في ماي الماضي، فقد شمل البرنامج الأول أشغال طلاء واسعة لواجهات المنازل والمحلات بشوارع كلميم، انطلاقا من شارع الواد، مع توحيد الألوان وإزالة اللافتات التجارية العشوائية. حينها قُدمت العملية بوصفها “مشروعاً حضارياً” لتحسين جمالية المدينة، غير أن كثيرين رأوا فيها مجرد عملية تجميل سطحي لمشاكل هيكلية أعمق تتعلق بالبنيات التحتية والخدمات الأساسية وفرص الشغل.
ومع الإعلان عن الصفقة الجديدة من طرف “العمران للجنوب”، تتساءل المصادر مجددا هل تحتاج كلميم فعلاً إلى المزيد من الصباغة، أم إلى رؤية تنموية تعيد للمدينة مكانتها كبوابة استراتيجية نحو الصحراء، ولماذا تصر المؤسسات العمومية على معالجة اختلالات عمرانية مزمنة بطلاء جديد كل عام، كمن يحاول إخفاء “بشاعة ما”، تقول المصادر.
وتُعد جهة كلميم – واد نون من بين أضعف الجهات المغربية على مستوى مؤشرات التنمية البشرية، وفق معطيات رسمية صادرة عن المندوبية السامية للتخطيط، إذ لا يتجاوز متوسط الدخل السنوي للفرد 17 ألف درهم، أي أقل من المعدل الوطني بحوالي 30%. كما تسجل الجهة نسبة بطالة تتجاوز 22% في صفوف الشباب، في ظل هشاشة الاستثمار وضعف البنيات التحتية الصحية والتعليمية.







