ربما ما لا يعرفه الكثير في زحمة الإخفاقات والارتدادات الفكرية والسياسية والإيديولوجية، وحتى السلوكية للأشخاص، أن اليسار ليس مجرد انتماء سياسي حزبي وتنظيمي يلبّي الهدف الدستوري الأهم لقواعد ومبادئ المشاركة السياسية وفق تعريفها في منظور العلوم السياسية، باعتباره مجرد بنية تبتغي الوصول إلى السلطة السياسية وتدبير الشأن العام في دولة ونظام يحترم مبدئيًا – وبغضّ النظر عن حدود هذا التقدير – القواعد والمسلمات الأولى للتداول السياسي على السلطة، في ظل وسياق التعاقد السياسي المُعلن في الوثيقة الدستورية.
هذا الاستيعاب الطارئ والفهم القاصر مُعبّر ومتفهم في ظل ممارسة سياسية مجانبة لحدود المفهوم النبيل لمعنى السياسة، ومعنى الوطن، ومعنى المواطن، ومعنى التاريخ في ماضيه وحاضره ومستقبله، حيث التهافت المصلحي، والقفز الفاضح على الأخلاق، يصبح بمثابة القفز بالزانة لبلوغ المزيد من الجاه والحظوة، بما شكّله هذا الاختيار المتواصل من منحى يفتقد للعمق اللازم.
هذا الفهم لليسار فهم يكاد يكون انفعاليًا وسطحيًا، ترسّخ بخطابات وشعارات ومفاهيم طفت على السطح بعد أن توارى المدّ المبدئي التأسيسي المثقل بالقناعات والمبادئ والقيم التي جاءت بها عصارة الحضارة الإنسانية بعد عهود مريرة من الظلم والقهر: قيم العدالة، والمساواة، والأخوة، والكونية في الحقوق والالتزامات، واحترام الاختلاف، بغض النظر عن طبيعته ومداه.
اليسار أكبر من ذلك بكثير.
اليسار ليس شعارًا لمن أراده وتبنّاه، وليس جبّة تستجيب لكل المقاسات والقياسات والأهواء، مهما كانت قدرة الزبون، الزعيم أو المُريد، على تكييف واقع حلمه ومُبتغاه مع طموحاته في التدفّئ بقيم اليسار لنيل ثمار السياسة، ولو بالارتماء الماجن في أحضان العهر السياسي والاقتصادي والثقافي…
اليسار أكبر من ذلك بكثير، ولو استحالت “كل“ أحزاب اليسار إلى خِيم برايات حُمر تبيع الهوى والوهم وفتات الريع والتسلّق والإفلات من نتائج الوهن والضعف والكسل وفقدان المبدأ وظيفيًا، مهنيًا، واقتصاديًا…؟
لماذا اليسار أكبر؟
اليسار اختيار وجودي وإنساني قبل أن يكون اختيارًا إيديولوجيًا أو سياسيًا.
هو اختيار وتصور إنسيّ مغروس في الجينات: تربية، ثقافة، سلوكًا، وأخلاقًا، سابق عن السياسة نفسها. لتبقى السياسة في حد ذاتها مجرد آلية وأداة لتصريف هذه القناعات، وفي حالة الفشل، تبقى القناعة ثابتة والطريق متواصلاً، ما دام خط التاريخ متصاعدًا، مهما كانت الخيبات والويلات العارضة.
اليسار ليس وظيفة ولا احترافًا، ولا حتى انتماءً تنظيميًا…
اليسار فكر، وثقافة، وتنظير، وأفق مفتوح على منافذ الأمل والجمال بكل أبعاده ومعانيه، ضمن مناط الوطن أولًا، وطن للجميع تسوده العدالة والنزاهة والمساواة والحرية، والعدالة الاجتماعية، والكرامة، ومجايلة ممكنة ومُتاحة، متفاعلة ومنتجة لقيم الإبداع والارتقاء بالوطن، الذي لا أشك في “حب“ أحد له، بما فيهم فتوات الريع والمنفعة والتسلّط حيثما وُجدوا، لكن النفس أمّارة بالسوء!…
اليسار أكبر من ذلك، والتاريخ شاهد على تضحياته، وعطاءاته، ومواقفه، ومبادراته، سواء في لحظات العُسر والقهر والظلم، أو في لحظات “اليسر“ والحلم، والانتقال، والتوافق، أو بعبارة أوجز: لحظة تقاطع القناعات مع نظام سياسي، بسببها أُعلن طيّ صفحة ماضٍ ولى، بأوراش ومؤسسات وقوانين وبُنيات لا شيء يشوّش عليها سوى تنصّل المثقف والسياسي من مسؤوليته في تحصينها، والذود عنها بجرأة ووضوح، في مواجهة العوارض المشدودة للماضي ولثقافة “أنا وحدي نضوي لبلاد“.
اليسار عقيدة وفلسفة لن تموت، ما دامت القضايا الإنسانية الحارقة حاضرة في جدول التاريخ الإنساني: من حروب، وظلم، وتفاوتات، وفقر، وتمييز، وفصل بين البشر.
عقيدة يبقى مفادها: الإنسان واحد؛ مصيره مشترك، وآماله في الأمن والسلام والعدالة الحقة مشتركة أيضًا…
خلاصة..اليسار يسار، عندما يثبت أن همه الأساس: الإنسان والوطن، لا أقل ولا أكثر.







