عاشت العاصمة الفرنسية باريس اليوم الأحد على وقع عملية سطو غير مسبوقة استهدفت متحف اللوفر، أحد أبرز المعالم الثقافية في العالم، حين تمكن مجهولون من سرقة مجوهرات ملكية لا تُقدّر بثمن من داخل الجناح الشهير “غاليري أبولون” الذي يحتضن كنوز العائلة الإمبراطورية الفرنسية. في مشهد بدا وكأنه مقتطع من فيلم بوليسي، نفذ اللصوص عمليتهم في وضح النهار خلال بضع دقائق فقط قبل أن يختفوا عن الأنظار، تاركين خلفهم ذهولاً واسعاً وتساؤلات حارقة حول الثغرات الأمنية في أكثر المتاحف مراقبة على الكوكب.
وبحسب ما نقلته وسائل إعلام فرنسية ودولية، تسلل ثلاثة إلى أربعة أشخاص عبر موقع تجديد ملاصق لضفاف نهر السين، مستخدمين رافعة للوصول إلى نافذة جانبية تؤدي إلى القاعة التي تضم المجوهرات الملكية، من بينها تيجان وأحجار كريمة تعود إلى حقبة نابليون والإمبراطورة جوزيفين. العملية لم تستغرق أكثر من أربع دقائق، وفق وكالة “أسوشييتد برس”، قبل أن يلوذ الجناة بالفرار في اتجاه مجهول، تاركين خلفهم قطعة واحدة مكسورة عُثر عليها في محيط المتحف.
وزيرة الثقافة الفرنسية رشيدة داتي أكدت أن الحادث لم يسفر عن أي إصابات في صفوف الزوار أو العاملين، لكنها لم تُخف صدمتها مما وصفته بـ”الجرأة الوقحة” التي أقدم عليها منفذو السرقة. وقالت في تصريح مقتضب إن المتحف أُغلق مؤقتاً “لأسباب استثنائية”، فيما فتحت الشرطة تحقيقاً موسعاً بمشاركة وحدات مكافحة الجريمة المنظمة والشرطة العلمية لتحليل التسجيلات ومطابقة البصمات.
مصادر أمنية رجحت أن تكون العملية “مدبرة ومحترفة” نفذها فريق يمتلك معرفة دقيقة بمخطط المتحف ونقاطه العمياء، في وقت لم تُستبعد فيه فرضية الاستعانة بمتواطئين من داخل المؤسسة. الوزير الفرنسي للداخلية، لوران نونيز، تحدث عن “هجوم منظم ومحسوب بدقة” يستهدف رمزاً من رموز فرنسا الثقافية، مؤكداً أن التحقيق يسير على عدة مسارات، بينها تتبع كاميرات المراقبة على طول ضفاف السين والمسالك القريبة من موقع الأشغال الذي استُغل كمنفذ للسرقة.
قيمة المسروقات لم تُحدد بعد بشكل رسمي، إذ تتحدث السلطات عن “مجوهرات ذات قيمة تراثية لا مالية”، لكن تقديرات غير رسمية تشير إلى أن قيمتها قد تتجاوز عشرات ملايين اليوروهات بالنظر إلى ندرتها التاريخية ورمزيتها السياسية. مجموعة “غاليري أبولون” التي سُرقت منها القطع تُعد واحدة من أهم المجموعات الملكية في أوروبا، وتضم تيجاناً وزخارف صنعت خصيصاً للبلاط الإمبراطوري الفرنسي في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وهي من أبرز ما يجذب الزوار إلى المتحف الذي يستقبل نحو تسعة ملايين شخص سنوياً.
الواقعة فجّرت موجة انتقادات في الأوساط الثقافية والإعلامية، إذ وُصفت بأنها “صفعة أمنية” تمس سمعة فرنسا الثقافية وتكشف هشاشة نظام الحماية في أعرق مؤسساتها. وذهب بعض المعلقين إلى القول إن المشهد أعاد إلى الأذهان سرقات فنية شهيرة عرفتها باريس في العقود الماضية، لكنه هذه المرة يمسّ صرحاً يُعتبر بمثابة قلب الهوية الوطنية الفرنسية.
في الأثناء، لا تزال الشرطة تطوق المنطقة وتحقق في ما إذا كان الجناة قد استخدموا دراجات نارية للفرار، بينما يستمر المتحف مغلقاً إلى إشعار آخر وسط اهتمام عالمي واسع بالحادث الذي هزّ الأوساط الفنية والثقافية، وأعاد إلى الواجهة سؤالاً مؤرقاً عن مدى استعداد كبرى المؤسسات المتحفية لحماية كنوز الإنسانية من عصابات متخصصة في سرقة الفن، لا تقل دهاءً عن الأساطير التي تملأ رفوف السينما العالمية.







