لم تمضِ سوى أسابيع على تفجر فضائح الأدوية والمعدات الناقصة داخل المستشفى الجامعي محمد السادس بطنجة، حتى تفجرت قضية جديدة زادت من انهيار الثقة في أكبر مؤسسة صحية بجهة الشمال. عائلة من القصر الكبير وضعت ثلاثة توائم داخل المستشفى ذاته، لكنها غادرت وهي تحمل رضيعين فقط.
وتعود تفاصيل القضية التي تحولت إلى موضوع رأي عام، إلى أب يدعى مصطفى الدروش، أكد أن زوجته كانت تتابع الحمل في القصر الكبير ثم بمستشفى محمد الخامس بطنجة، وكل التقارير الطبية كانت تؤكد وجود ثلاثة توائم، ولدين وبنت. لكن في يوم الولادة بالمستشفى الجامعي، أُبلغ الزوجان بأنهما رزقا بطفلين فقط.
الأب، الذي لم يوجه في البداية أي اتهامات، طالب بتوضيح رسمي، لكن رده من داخل المؤسسة كان – حسب روايته – صادماً. أحد الأطباء أجابه بعبارة اعتبرها غير مسؤولة “حنا الولاد كنهزّوهوم من الخيرية بالبالا”. جملة تختصر، في نظره، طريقة تعامل إدارة المستشفى مع أسئلة المواطنين ومعاناتهم.
الأسرة وضعت شكاية رسمية لدى النيابة العامة مرفقة بجميع التقارير الطبية التي تؤكد الحمل بثلاثة توائم، في انتظار نتائج التحقيق. لكن السؤال الذي يردده الأب اليوم لم يعد شخصياً فحسب، بل أصبح سؤالاً عاماً حول مصير المولود الثالث، وحول ما يجري داخل جدران مؤسسة يُفترض أنها تمثل قمة النظام الصحي في الجهة.
الحادثة لا يمكن عزلها عن السياق العام الذي يعيشه المستشفى الجامعي منذ افتتاحه سنة 2023، بعد أن رُوّج له كأكبر إنجاز صحي في شمال المملكة. فخلف واجهاته الحديثة، تتراكم الشكايات التي توثق فوضى الاستقبال، وطول المواعيد، ونقص التجهيزات، والخصاص في الأطر الطبية، ما جعل المؤسسة أقرب إلى “مستشفى مكتظّ بأزماته” بدل أن تكون رافعة للمنظومة الصحية.
شهادات متطابقة من مرتفقين وهيئات نقابية كشفت أن شباك الأداء الوحيد بالمستشفى يتحول يومياً إلى طابور فوضوي يبدأ منذ الفجر، فيما المواعيد الطبية تمتد لأشهر، وأقسام حساسة مثل أمراض القلب والكلى تشتغل تحت ضغط هائل. أما التواصل بين الإدارة والمرتفقين فغائب بالكامل، تاركاً المرضى وأسرهم في مواجهة مباشرة مع المعاناة.
وفي خطوة تعكس حجم الأزمة، أعلنت إدارة المستشفى قبل أسابيع فقط عن طلبات عروض لاقتناء معدات أساسية تشمل أقسام الولادة والجراحة والأورام والتغذية والنظافة، في اعتراف غير مباشر بأن المؤسسة كانت تشتغل بنقص حاد في أبسط التجهيزات. والمفارقة أن هذه الطلبات لا تتعلق بتوسعة أو تحديث، بل بتوفير الحد الأدنى من الوسائل التي يُفترض أن تكون متوفرة منذ اليوم الأول للافتتاح.
الفضائح لم تتوقف هنا. فقد سبق قبل أسابيع قليلة ضبط طبيب وممرض متلبسين بالاتجار في الأدوية المدعمة، وهي قضية فجّرت غضباً واسعاً داخل القطاع وكشفت عن ثغرات خطيرة في نظام المراقبة الداخلية. في المقابل، تلتزم الإدارة الصمت حيال كل هذه الوقائع، وكأنها مؤسسة خارج المساءلة.
وتأتي قضية المولود المفقود، لتضيف فصلاً جديداً إلى مسلسل الإخفاق الإداري والرقابي داخل المستشفى الجامعي محمد السادس بطنجة. وترى مصارد مهنية، “أنه حين يصبح فقدان مولود أمراً ممكناً دون تفسير، وحين يحتاج المواطن إلى شكاية قضائية ليحصل على جواب، فذلك يعني أن الخلل تجاوز الخطأ الفردي إلى انهيار مؤسساتي شامل”.
وتضيف المصادر ذاتها أن “الأسئلة اليوم تتجاوز مصير “المولود الثالث” لتطال مصير المؤسسة نفسها، ومن يحاسب إدارة صرفت عليها الدولة ملايين الدراهم لتتحول إلى بؤرة اختلالات.







