واضح أن الدولة تريد أن تمر انتخابات 2026 دون ضجيج… ولا “صداع رأس” حول استعمال المال القذر، ولهذا قررت أن تتجه نحو نسخة جديدة من “قانون الكمامة” من خلال المشروع التنظيمي الجديد لمجلس النواب.
قانون يهدد بجر كل من يتحدث عن توظيف المال لشراء الأصوات أو من ينشر الغسيل القذر لبعض المرشحين للسجن بعقوبات ثقيلة، في خرق سافر للمقتضيات المتعلقة بحماية المُبلغين عن الفساد.
وواضح أيضًا أن من وضع هذه المقتضيات يتذكر جيدًا أن من يشكك في نزاهة العمليات الانتخابية ليس هو المواطن الذي يعاين كيف تنشط “الزرود” والولائم، وتتحول أرقام البطائق الوطنية لدى “الشناقة” إلى وسيلة إثبات الأداء، وكيف يتم طرق الأبواب وحشر البسطاء في السيارات والتريبورتورات بعد توزيع “الزرقلاف” الشهيرة، التي ربما لن تعود كافية مع الغلاء.
في انتخابات 8 شتنبر 2021، تحدث سعد الدين العثماني، رئيس الحكومة السابق، عن استعمال واسع للمال القذر، وقال إن الفلوس “كتصب بحال الشتا”.
كما أصدرت أحزاب “البام” والاستقلال والتقدم والاشتراكية بلاغًا موجّهًا بشكل مباشر إلى عزيز أخنوش، رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، بسبب آلاف القفف التي أوصلت المطلوب الأول في حملة المقاطعة إلى منصب رئيس الحكومة في انتخابات اتضح اليوم أن من تحكم في نتائجها صار يؤمن بالمثل الشعبي: “يدي ويدي القابلة يطلع لحرامي عور”.
من زرع هذه المقتضيات الخرقاء في مشروع قانون الانتخابات ربما مُصاب بفصام جعله ينسى كيف خرجت عشرات التصريحات التي تتحدث عن إغراق السوق الانتخابي بالمال القذر دون أن تتحرك أي جهة للبحث مع المشبوهين أو محاسبة من اتهمهم.
الأكثر من ذلك، تم دفن شكاية رسمية حول استعمال المال لشراء الأصوات تقدمت بها الجمعية المغربية لحماية المال العام، رغم البحث الذي باشرته الفرقة الجهوية للشرطة القضائية بالرباط مع محمد الغلوسي، رئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام، بناءً على تعليمات الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالرباط.
الشكاية استندت إلى تصريحات بعض زعماء الأحزاب السياسية الذين تحدثوا عبر تصريحات صحفية عن الاستعمال الواسع للمال والفساد في الانتخابات، علمًا أن مدونة الانتخابات تعاقب على مثل هذه التجاوزات، والعقوبة تصل إلى خمس سنوات حبسا وغرامة مالية.
إذا كانت الدولة تريد شراء براءة الانتخابات المقبلة مسبقًا عبر التهديد، فهي بذلك كمن يضع على رأسه ريشة، لأن ضمان نزاهة العمليات الانتخابية يمر أساسًا عبر تحصينها من كل الممارسات المشبوهة التي تحولت إلى جينات تتحكم في سلوك شريحة واسعة من السياسيين.
الحرص على نظافة الانتخابات لا يتم بمطاردة الساحرات وتكميم الأفواه، بل عبر منع الكائنات الفاسدة من “الترشح”، واعتماد شروط للرفع من مستوى النخب ومن أساسها المستوى التعليمي، لأن السماح بترشح برلماني لا يتقن كتابة جملة هو الفساد الحقيقي.
اليوم، ومع سعي الحكومة لفرض انتخابات “مخصية” على الجميع، يمكن القول بكثير من اليقين أننا تجاوزنا الدرجة الصفر من الممارسة السياسية، وأننا وصلنا إلى المحطة الأخيرة من رحلة الإفلاس التي ظل الإعلان عنها مؤجلًا.
هذا السلوك العبثي لن يزيد إلا في كفر المغاربة بالساسة والسياسيين، كما سيجعل الكثيرين يتراجعون عن تجديد ثقتهم في المؤسسات وفي الخطاب والفعل والنوايا الرسمية، وهو ما ينسف أهم مكتسب يمكن أن نخرج به من الانتخابات.
قانون “سد فمك” أعاد ومن جديد التأكيد على أن الممارسة السياسية والحزبية في هذا البلد صارت بحاجة إلى إعادة تأهيل شامل، وفق قواعد وآليات جديدة، حتى نقطع مع صفحة “الكومبارس” ونخلق نخبا حقيقية ووطنية.
من حق الحكومة أن تمد رجليها وتهددنا جميعًا بالحبس بعد إسقاط مشروع تجريم الإثراء غير المشروع، الذي توزع دمه بين أحزاب الأغلبية قبل المعارضة، فقط لأنه كان ينص على حبس المتورطين في نهب ثروات البلاد واستغلال النفوذ الوظيفي، وهي عقوبة فضلت عدد من الأحزاب إسقاطها، وإلصاقها بالبسطاء المغاربة ممن يشككون في نزاهة سماسرة الانتخابات.
اليوم، هناك تكتم شديد وجدار من السرية المطلقة حول الجهة التي زرعت مقتضيات “سد فمك” داخل قانون الانتخابات، الذي سيجعل جميع المغاربة في حالة سراح مؤقت، وهذا كافٍ لوحده لكشف سوء نية الحكومة بأغلبيتها، التي لاذ جزء منها بالصمت، فيما يحاول الجزء المتبقي الذي وجد نفسه في الركح مسح يديه من الوحل القذر لهذه المقتضيات.
واضح أن بعض أطراف الأغلبية تتعامل مع هذه المقتضيات بمنطق الربح وجني المكاسب، وهو منطق ينطوي على لعب صريح بالنار، لأننا أمام قضية تستفز رصيد الصبر لدى الناس، ولأن الأمر ينطوي على مصادرة شمولية لأبسط وأهم حق من خلال محاولة التعامل مع شعب بأكمله كقطيع مدجن لا يسمع له صوت.
هو أمر لن يمر بسهولة، وستليه تبعات سيكون مفعولها كافيًا لجعل مهندسي مثل هذه المخططات المشبوهة يدركون أن الزمن قد تغير، وأن القطار قد فاتهم.







