مرة أخرى، يعود اسم المهدي بن بركة إلى الواجهة بمناسبة مرور ستين عاما على غيابه، من خلال تفاصيل غير معروفة حول طريقة تصفيته. الكتاب الذي ألفه الصحافيان ستيفن سميث ورونين بيرغمان تحت عنوان “قضية بن بركة، نهاية الأسرار” (دار غراسي)، يكشف معطيات جديدة عن الساعات الأخيرة في حياة الشهيد، ويسلط الضوء على الدعم الذي قدمته المخابرات الإسرائيلية لتصفية زعيم اليسار المغربي.
يبدو أن الكاتبين حصلا على وثائق حصرية في إسرائيل، تضيء المناطق المعتمة من القضية، وترسم سيناريو إحدى أشهر الجرائم السياسية في القرن العشرين.
حسب المقاطع التي نشرتها الصحافة الفرنسية من كتاب سميث وبيرغمان (الذي سيوزع رسميا في 29 أكتوبر) فإن التصفية جرت في 3 نوفمبر 1965، على يد أحمد الدليمي شخصيا، بعد أن غطس رأس بن بركة في بينوار الحمام، المملوء بالماء، لمدة ثلاث دقائق بأحد البيوت في ضواحي باريس، بمنطقة “إيسون” تحديدا. إثر ذلك جرى دفن الجثة في غابة مجاورة، باستعمال عتاد وفّره عناصر الموساد لأحمد الدليمي وفريقه.
الكتاب يستعيد اللقاءات التنسيقية التي تمت بين الدليمي ومساعديه وبين عناصر من المخابرات الإسرائيلية في باريس، ويزعم أن رئيس الموساد وقتها مايير عميت كان مترددا في المشاركة بالعملية، لكنه حسم قراره بعد أن مكّنه الطرف المغربي من تسجيلات لما دار في القمة العربية بالدار البيضاء، بشأن الاستعدادات العربية لمواجهة عسكرية مع إسرائيل.
الكتاب يبرئ، بشكل ما، الجانب الفرنسي من المسؤولية السياسية عن الاغتيال، ويضعها على عاتق المغرب وإسرائيل. فرنسا متواطئة في الاستدراج والاختطاف، لكن عناصر استخباراتها غادروا الفيلا التي كان يحتجز فيها بن بركة قبل تصفيته، وهم يعتقدون أنه سينقل إلى المغرب. باختصار، فرنسا تواطأت في تسهيل عملية الاختطاف، والموساد أمّن اللوجيستيك للدليمي، أو “ألبير” كما يسمى في الوثائق الإسرائيلية، كي يتخلص من “بريجيت”، الاسم الذي أعطوه لابن بركة في العملية…
لم يتاجر السماسرة والسياسيون والمشعوذون في جثة مثلما تاجروا بجثمان المهدي بنبركة. على امتداد هذه العقود الطويلة، كل مرة يخرج دجال كي “يكشف عن مصير الجثة”: ذوبوها في حوض الأسيد، طمروها في الإسمنت المسلح، دفنوها في فيلا بضواحي باريس، حرقوا الجسد ولفوا الرأس في ورق الألومنيوم… الشيء الوحيد الذي يتأكد، في كل مرة، أن صاحب “السكوب” يحقق شهرة عابرة، وحقيقة الاختفاء تزداد غموضا.
دون الحديث عمن ظلوا يرفعون صوره في التجمعات الانتخابية وبمجرد وصولهم إلى السلطة، رموها مع المتلاشيات. وإذا كان أقسى ما يمكن أن يتعرض له الشهيد هو أن يتحول الى ميت تبكيه أسرته الصغيرة فحسب، فإن أكبر جريمة ارتكبت في حق بن بركة، بعد الاختطاف، هي التخلي عنه من طرف رفاقه. كثيرون اعتقدوا أن وصول المرحوم عبد الرحمان اليوسفي الى السلطة، نهاية القرن الماضي، سيفك اللغز ويكشف المستور، لكن شيئا من ذلك لم يحدث، رغم محاولات القضاء الفرنسي إعادة فتح التحقيق، ورغم أن وزارة العدل كانت لمدة طويلة بيد الاتحاديين. بل إن الراحل عبد الواحد الراضي، حين كان وزيرا للعدل، بذل جهدًا جبارا كي يعرقل المذكرة التي أصدرها قاضي التحقيق الفرنسي پاتريك راماييل للاستماع الى بعض الأطراف المعنية بالقضية. اليوسفي وأصحابه لم يفعلوا شيئًا للكشف عن مصير رفيقهم القديم، ايّام كان في يدهم القرار السياسي، وعندما تقاعدوا خلدوا الذكرى الخمسين لاختفائه، على سبيل إراحة الضمير، لا أقلّ ولا أكثر. وكم كان مؤلما أن تدفن زوجته غيثة في فرنسا، العام الماضي، بعيدا عن بلادها في إشارة مؤلمة إلى أن الملف لم يطو بعد…
آن الأوان كي تظهر الحقيقة كاملة، وتنتهي الأسرار، وتختفي مناطق الظل والعتمة. المعطيات الجديدة في كتاب “نهاية الأسرار”، تبدو جدية هذه المرة، لأنها تعتمد على وثائق رسمية من الأرشيف الإسرائيلي، مما يجعلنا نأمل في الكشف رسميا عن كلّ ملابسات الجريمة، وأن يتمّ العثور على الجثة أو ما تبقى منها، وتترتب عن ذلك العواقب القانونية المناسبة، وتعترف الدول المعنية بمسؤوليتها، وتقدّم اعتذارا للعائلة الصغيرة والكبيرة، كي يتم طيّ الصفحة نهائيا.
عندما تفجرت القضية عام 1965، كتب اليساري الفرنسي دانيال غيران: “هذا الميت سيعيش طويلا، هذا الميت ستكون له الكلمة الاخيرة”. الشق الأول من النبوءة تحقق تقريبا: بن بركة مازال حيا، في الوقت الذي مات فيه كل مجايليه من الوطنيين والسياسيين والتقدميين والرجعيين والأمنيين والرفاق والمخبرين والمناضلين والجلادين… والشطر الثاني من النبوءة سيتحقق آجلا ام عاجلا، لأنه يتعلّق بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، ولا بدّ أن تسمع البلاد “كلمته الأخيرة”!.
قضية بن بركة، الفصل الأخير







