عاد الجدل مجدداً حول بعض القوافل الطبية التي تجوب القرى والمناطق النائية، بعد أن وجه رئيس المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، عبد الله بووانو، سؤالاً كتابياً إلى وزير الصحة والحماية الاجتماعية “امين التهراوي” حول ما اعتبره “شبهات استغلال مبادرات إنسانية لأغراض تجارية بحتة”، عبر إخضاع فقراء ومواطنين لفحوصات باهظة الثمن دون مبرر طبي واضح، واستعمال ملفاتهم للاستفادة من تعويضات مالية من صناديق التأمين الصحي، خاصة “CNSS” و“CNOPS”.
وأوضح بووانو أن بعض القوافل التي يُفترض أن تكون تضامنية وإنسانية تحوّلت، وفق المعطيات المتداولة، إلى مشاريع قائمة على استهداف المؤمنين فقط، فيما يُقصى غيرهم ممن لا يتوفرون على تغطية صحية، في ممارسة تضرب في العمق فلسفة التضامن والعمل الإنساني، وتحول المرضى في القرى الهشة إلى مجرد “وسيلة” لجني أرباح على حساب المال العام.
النائب البرلماني دعا وزير الصحة إلى التحرك العاجل للتحقيق في هذه الادعاءات التي “تمس أخلاقيات المهنة وثقة المواطنين في الطب التطوعي”، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في استغلال المبادرات الإنسانية لأغراض ربحية، خاصة في ظل مؤشرات متكررة على وجود شبكات منظمة تستغل ضعف المراقبة في هذا المجال.
وتتزامن هذه المساءلة البرلمانية مع تواتر معطيات ميدانية وتقارير سابقة عن تنامي ممارسات مشابهة، أبرزها تحويل القوافل الطبية إلى واجهات لعمليات تحايل على صناديق التأمين، أو لاستقطاب “زبناء” لمصحات خاصة مقابل عمولات، من خلال فحوصات سطحية وتحاليل تُجرى فقط للمرضى المؤمنين، ثم إحالتهم على مصحات بعينها تحت ذريعة مواصلة العلاج.
وفي حالات أخرى، تم الحديث عن قوافل تُنظم تحت شعارات إنسانية فيما تُستغل لجمع معطيات شخصية عن المستفيدين، تشمل الأسماء والعناوين وأرقام الهواتف، في خرق واضح للقوانين المؤطرة لحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي. كما تشير مصادر محلية إلى أن بعض هذه القوافل تُوجَّه نحو مناطق بعينها مرتبطة بمنتخبين أو جهات نافذة، ما يثير شبهات إضافية حول خلفياتها وأهدافها.
ويرى مهنيون في القطاع الصحي أن الظاهرة تعكس خللاً بنيوياً في آليات المراقبة والتتبع، حيث لا توجد قاعدة بيانات دقيقة للقوافل الطبية ولا نظام موحد لتتبع مساراتها أو مصادر تمويلها. فبينما تُنظم مئات القوافل سنوياً بشراكة مع جمعيات خيرية، يغيب التتبع المالي والإداري الصارم، ما يفتح الباب أمام الاستغلال المالي أو السياسي أو حتى الانتخابي.
في المقابل، يؤكد أطباء متطوعون أن العمل الإنساني الحقيقي ما يزال قائماً في العديد من القوافل الجادة التي تقدم خدمات مجانية للمناطق المحرومة، غير أن الممارسات المشبوهة التي تمارسها بعض الجهات، تضر بسمعة هذه المبادرات وتنسف الثقة بين المواطن والجمعيات الطبية.







