تتواصل فوضى الكتب المدرسية الخاصة بمدارس الريادة وسط صمت وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، في وقت تتصاعد فيه شكاوى الأسر والكتبيين من ندرة غير مسبوقة في المقررات الدراسية، ما حوّل بداية الموسم الدراسي إلى مشهد من الارتباك والعجز، خاصة في المدن الكبرى حيث يضطر أولياء التلاميذ إلى جولات طويلة بحثاً عن كتب لا أثر لها على رفوف المكتبات.
هذا الخصاص الذي يطال عناوين أساسية في مواد مختلفة، جعل آلاف التلاميذ في وضعية غير متكافئة داخل الأقسام، بين من تمكنوا من اقتناء كتب محدودة النسخ ومن ظلوا ينتظرونها منذ أسابيع. في المقابل، لا يجد الكتبيون ما يبرر استمرار هذا الوضع سوى ما وصفوه بـ”فشل المنظومة الناشرة في احترام التزاماتها”، مؤكدين أن سبب الأزمة لا يعود إليهم كما تحاول بعض الجهات الإيحاء، بل إلى التأخر الفادح في الطباعة والتوزيع وغياب خطة واضحة لضمان التغطية الوطنية بالكتب المدرسية.
ووفق ما عاينته “نيشان” في عدد من المكتبات، فإن مقررات مدارس الريادة التي كانت تباع سابقاً بأسعار رمزية أو توزع مجاناً، أصبحت اليوم عملة نادرة، بل وصل الأمر إلى تداول بعضها في “السوق السوداء” بأسعار مضاعفة، في ظل غياب أي تدخل رسمي لضبط الوضع أو محاسبة الأطراف المتورطة في احتكار الكتب أو التلاعب بقنوات توزيعها.
رابطة الكتبيين بالمغرب، التي دقت ناقوس الخطر في بلاغ جديد، حملت الناشرين كامل المسؤولية عن هذا الخصاص، مؤكدة أن مهنيي القطاع يعانون من تداعيات التأخر في التزويد، ومن غياب الشفافية في تحديد الكميات والهامش الربحي المتفق عليه، مما “يمس بمبدأ تكافؤ الفرص بين التلاميذ ويعرقل السير المنتظم للعملية التعليمية”، وفق تعبيرها. وطالبت الرابطة الوزارة الوصية بالتدخل العاجل لإلزام الناشرين باحترام دفتر التحملات وضمان التوزيع العادل للمقررات الدراسية على الصعيد الوطني.
ويأتي هذا الموقف في سياق تتزايد فيه الانتقادات الموجهة إلى وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، التي سبق لوزيرها محمد سعد برادة أن نفى في ندوة صحفية منتصف شتنبر الماضي وجود أي احتكار في توزيع الكتب المدرسية الخاصة بمدارس الريادة، مؤكداً أن الأسعار “مناسبة” وأن عملية التوزيع تمر في “ظروف سلسة”. غير أن الواقع بعد أسابيع قليلة من هذا التصريح، يكشف عكس ذلك تماماً، إذ أصبح النقص في المقررات واقعا ملموساً في مختلف المدن والجهات، فيما تُطرح علامات استفهام حول جدوى رقابة الوزارة على الناشرين والموزعين.
ويبدو أن أزمة كتب “الريادة” ليست مجرد خلل تقني في التوزيع، بل حلقة جديدة في مسلسل ارتجال يطبع تنزيل هذا المشروع التربوي منذ بدايته، إذ لم يسلم من الانتقادات حتى على مستوى التجهيزات الرقمية ووسائل الدعم البيداغوجي التي وُعدت بها المؤسسات، لتتحول التجربة التي كان يفترض أن تكون نموذجاً للإصلاح إلى عنوان آخر للارتباك الإداري وضعف التنسيق بين الفاعلين في المنظومة التعليمية.
وفي انتظار تحرك فعلي من الوزارة، يظل آلاف التلاميذ وأسرهم عالقين بين وعود رسمية وتصريحات مطمئنة من جهة، وواقع فوضوي يعرقل انطلاقة الموسم الدراسي من جهة أخرى، في مشهد يعيد إلى الواجهة – بحسب المصادر – سؤالاً مؤرقاً “من يحاسب من في فوضى الكتاب المدرسي؟”.







