حذّر تقرير صادر عن المعهد المغربي لتحليل السياسات من أن المغرب بات يستورد ما أسماه “السعرات الفارغة”، في إشارة إلى الأطعمة المكرّرة والغنية بالسعرات والمنخفضة القيمة الغذائية، التي أصبحت تشكّل عماد النظام الغذائي للمغاربة. واعتبر التقرير أن هذا التحوّل يعكس عمق التبعية الغذائية التي يعيشها البلد، حيث صارت موائد المغاربة مرهونة بالأسواق العالمية أكثر من حقولهم المحلية.
وأوضح التقرير، الصادر تحت عنوان “السيادة الغذائية في المغرب”، أن البلاد تستورد سنويا ملايين الأطنان من القمح والذرة وفول الصويا والسكر والزيوت، وهي مواد أساسية تمثل في مجملها “سلسلة غذائية مستوردة” تُغذي القطاعات الصناعية والإنتاج الحيواني أكثر مما تُغذي السيادة الغذائية. فقد بلغت واردات القمح الطري وحدها أكثر من خمسة ملايين طن سنة 2022، في حين سجّل القمح الصلب حوالي مليون طن، لتُضاف إليها واردات الذرة وفول الصويا التي تُستخدم في الأعلاف، مما يجعل المغرب تابعاً في أمنه الغذائي لمصادر خارجية غير مستقرة.
وبحسب التقرير، فإن هذا النموذج القائم على استيراد المواد الأساسية وتوسيع الزراعات التصديرية الموجهة نحو الأسواق الأوروبية والخليجية، أدى إلى اختلال بنيوي بين ما يُنتج وما يُستهلك. فبينما تُخصّص الأراضي الخصبة والمياه النادرة لزراعة الطماطم والحوامض والشمام والفواكه الحمراء المعدّة للتصدير، يعتمد الأمن الغذائي الوطني على الحبوب والبقوليات المستوردة، في وقت تتراجع فيه الزراعة العائلية الصغيرة، التي كانت تاريخياً الضامن الأول لتوازن الغذاء في القرى والحواضر.
وأشار التقرير إلى أن هذا التوجه خلق مفارقة صارخة “المغرب يصدر منتجات فلاحية عالية القيمة، لكنه يستورد غذاءه الأساسي ويُرهق ميزانيته بالدعم”. فقد كلّف تثبيت سعر القمح الطري صندوق المقاصة أزيد من مليار وثلاثمائة مليون درهم سنة 2023، فيما تجاوز دعم السكر أربعة مليارات درهم سنة 2024، دون أن ينعكس ذلك على تحقيق اكتفاء ذاتي مستدام أو تقوية الإنتاج المحلي.
وعلى المستوى الصحي، نبه التقرير إلى ما سماه “العبء المزدوج”، حيث يواجه المغاربة في الوقت ذاته مشكلات نقص المغذيات الدقيقة مثل الحديد واليود، وارتفاع معدلات السمنة والوزن الزائد الناتجة عن الإفراط في استهلاك منتجات عالية السعرات ومنخفضة الجودة. وبيّن أن ستة من كل عشرة مغاربة يعانون زيادة في الوزن، فيما تبلغ نسبة السمنة أكثر من 21 بالمئة، وهي مؤشرات تعكس خللاً غذائياً مزمناً له جذور اقتصادية واجتماعية.
أما بيئيًا، فقد شدّد التقرير على أن السياسات الزراعية الموجهة للتصدير ساهمت في استنزاف الموارد المائية والفرشات الجوفية، خصوصاً في المناطق شبه الجافة التي تمثل أكثر من 85 بالمئة من مساحة البلاد. فالتوسع في الزراعات المسقية دون حكامة مائية حقيقية جعل المغرب، بحسب التقرير، “يُصدّر مياهه في شكل فواكه وخضر”، وهو ما يضاعف هشاشته في مواجهة موجات الجفاف المتكررة.
ويخلص التقرير إلى أن تحقيق السيادة الغذائية يقتضي إعادة توجيه النموذج الفلاحي نحو الإنتاج المحلي، وتثمين الزراعة العائلية، وحماية الموارد الطبيعية، مع مراجعة منظومة الدعم بما يخدم تغذية المواطنين لا الأسواق الخارجية. كما دعا إلى إشاعة مفهوم “المواطنة الغذائية” في المدرسة والإعلام، وإدماج التغذية السليمة ضمن السياسات العمومية، باعتبارها قضية سيادة لا مجرد ملف تقني أو تجاري.
ورسم التقرير في المُحصلة، صورة مقلقة لبلد يستهلك ما لا ينتج، ويُنتج ما لا يستهلك، بلد يشتري خبزه من الخارج ويبيع مياهه في شكل صادراتٍ فلاحية أنيقة. وفي غياب مراجعة جذرية لخياراته الزراعية والتجارية، قد يجد المغرب نفسه، كما خلص التقرير، “غنياً بالتربة… فقيراً في السيادة”.







